فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 176""""""
بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ الْعُرْسِ بْنِ عُمَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) قَالَ: ( إذَا عُمِلَتْ الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا , وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا ) .
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: فَمَنْ شَهِدَ الْخَطِيئَةَ فَكَرِهَهَا بِقَلْبِهِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا إذَا عَجَزَ عَنْ إنْكَارِهَا بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ , وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا وَقَدَرَ عَلَى إنْكَارِهَا وَلَمْ يُنْكِرْهَا , لأَنَّ الرِّضَا بِالْخَطَايَا مِنْ أَقْبَحِ الْمُحَرَّمَاتِ وَيَفُوتُ بِهِ إنْكَارُ الْخَطِيئَةِ بِالْقَلْبِ وَهُوَ مَرَضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ لا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ فِي حَالٍ مِنْ الأَحْوَالِ .
فَأَفْهَمَنَا كَلامُهُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِي عَلَى مَا أَسْلَفْنَا بِأَنَّ مُرَادَهُمْ الإِنْكَارُ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ اللَّذَيْنِ يَحْصُلُ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا , وَأَمَّا الإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ فَفَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ .
وَهَذِهِ فَائِدَةٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهَا .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) قَالَ ( مَنْ حَضَرَ مَعْصِيَةً فَكَرِهَهَا فَكَأَنَّهُ غَابَ عَنْهَا , وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَأَحَبَّهَا فَكَأَنَّهُ حَضَرَهَا ) وَهَذَا مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ .
قَالَ الْحَافِظُ: فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الإِنْكَارَ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ حَالٍ .
فَهَذَا صَرِيحٌ مِنْهُ بِمَا فَهِمْنَاهُ مِنْ كَلامِهِ , وَهُوَ ظَاهِرٌ لا غُبَارَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ الْعَالَمِ إنْكَارُ مَا يُغْضِبُ الْجَبَّارَ جَلَّ شَأْنُهُ وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ .
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) يَقُولُ( إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْت الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ .
فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ يَا رَبِّ رَجَوْتُك وَفَرَقْت النَّاسَ ).
وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ( فَيَقُولُ اللَّهُ مَا مَنَعَك أَنْ تَقُولَ فِيَّ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولَ خَشْيَةُ النَّاسِ فَيَقُولُ إيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى ) .
وَمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا ( أَلا لا يَمْنَعَنَّ رَجُلا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إذَا عَلِمَهُ ) وَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ قَدْ وَاَللَّهِ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا .
وَخَرَّجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَزَادَ فِيهِ ( فَإِنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنْ أَجْلٍ وَلا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يُقَالَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ ) فَمَحْمُولاتٌ عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ لَهُ مِنْ الإِنْكَارِ مُجَرَّدُ الْهَيْبَةِ دُونَ الْخَوْفِ الْمُسْقِطِ لِلإِنْكَارِ .
قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ رحمه الله وَرَضِيَ عَنْهُ: مُرَادُهُ ( صلى الله عليه وسلم ) فِي قَوْلِهِ يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ ( لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الإِيمَانِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ ) أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا الإِنْكَارِ مَا يَدْخُلُ فِي الإِيمَانِ حَتَّى يَفْعَلَهُ الْمُؤْمِنُ بَلْ الإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ آخِرُ حُدُودِ الإِيمَانِ , لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُنْكِرْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ , وَلِهَذَا قَالَ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ , فَجَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ ثَلاثَ طَبَقَاتٍ , فَكُلٌّ مِنْهُمْ فَعَلَ الإِيمَانَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ .
قَالَ وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي الإِيمَانِ الْوَاجِبِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِمْ مَعَ بُلُوغِ الْخِطَابِ إلَيْهِمْ . انْتَهَى كَلامُهُ .