فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 177""""""
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه: كَيْفَ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ؟ قَالَ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَبِالْقَلْبِ وَهُوَ أَضْعَفُ .
قُلْت: كَيْفَ بِالْيَدِ ؟ قَالَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ .
وَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَرَّ عَلَى صِبْيَانِ الْكُتَّابِ يَقْتَتِلُونَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ لَيْسَ بِالسَّيْفِ وَالسِّلاحِ .
قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا جَوَازُ الإِنْكَارِ بِالْيَدِ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ , وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ بِلا عُذْرٍ .
زَادَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: بِلا عُذْرٍ ظَاهِرٍ وَجَبَ الإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الإِنْكَارَ الْمَطْلُوبَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ . وَلا يُنْكِرُ سَيْفٌ إلا مَعَ سُلْطَانٍ .
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الضَّرْبُ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ إشْهَارُ سِلاحٍ أَوْ سَيْفٍ يَجُوزُ لِلآحَادِ بِشَرْطِ الضَّرُورَةِ وَالاقْتِصَارِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ , فَإِنْ احْتَاجَ إلَى أَعْوَانٍ يُشْهِرُونَ السِّلاحَ فَلا بُدَّ مِنْ إذْنِ السُّلْطَانِ عَلَى الصَّحِيحِ لِئَلا يُؤَدِّيَ إلَى الْفِتَنِ وَهَيَجَانِ الْفَسَادِ وَالْمِحَنِ .
تنبيهات مهمة
( تنْبِيهَاتٌ: الأَوَّلُ )
اعْلَمْ أَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ تَارَةً يُحْمَلُ عَلَيْهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ وَتَارَةً خَوْفَ الْعِقَابِ فِي تَرْكِهِ , وَتَارَةً الْغَضَبُ لِلَّهِ عَلَى انْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ , وَتَارَةً النَّصِيحَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالرَّحْمَةُ لَهُمْ وَرَجَاءَ إنْقَاذِهِمْ مِمَّا أَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِغَضَبِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ , وَتَارَةً يُحْمَلُ عَلَيْهِ إجْلالُ اللَّهِ وَإِعْظَامُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَأَنَّهُ أَهْلٌ أَنْ يُطَاعَ فَلا يُعْصَى , وَيُذْكَرَ فَلا يُنْسَى , وَيُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ , وَأَنْ يُفْتَدَى مِنْ انْتِهَاك مَحَارِمِهِ بِالنُّفُوسِ وَالأَمْوَالِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: وَدِدْت أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ أَطَاعُوا اللَّهَ وَأَنَّ لَحْمِي قُرِضَ بِالْمَقَارِيضِ وَتَقَدَّمَ .
فَمَنْ لَحَظَ هَذَا الْمَقَامَ , هَانَ عَلَيْهِ مَا يَلْقَى مِنْ الآلامِ , وَرُبَّمَا دَعَا لِمَنْ آذَاهُ , لِكَوْنِ ذَلِكَ فِي اللَّهِ , كَمَا دَعَا النَّبِيُّ ( صلى الله عليه وسلم ) لَمَّا ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ
( رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) .
( الثاني ) الأمر بالمعروف عن المنكر في ترك الواجب وفعل المحرم واجب . وفي ترك المندوب وفعل المكروه مندوب . قاله ابن عقيل في آخره الارشاد . وقال غيره أيضًا كما في الآداب: فمن القبيح ما يصلح من كل مكلف على وجه دون وجه ، كالرمي بالسهام واتخاذ الحمام الكتب والمهمات لحوائج السلطان والمسلمين حسن لا يجوز إنكاره . وإن قصد بذلك الاجتماع على السخف واللهو ومعاشرة ذوي الريب والمعاصي فذلك قبيح إنكاره .
وقد سئل ابن عقيل رحمه الله ورضي عنه عن حبس الطير لطيب نغمتها ، فقال طيب الله ثراه: سفه وبطر يكفينا أن نقدم ذبحها للأكل فحسبن لأن الهواتف من الحمام ربما هتفت