فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 178""""""
نياحة على الطيران وذكر فراخها ، أفيحسن بعاقل أن يعذب حيًا ليترنم فليتذ ينياحته ، فقد منع من هذا أصحابنا وسموه سفهًا . انتهى .
وأقول: لا يخفى على عاقل أن كثرة ترنم الطيور على تذكرها الفها من الأماكن الشاسعة ، والأغذية الناصعة ، والقرين المصافي ، والماء العذب الصافي ، والأطلاق الرحيب ، ومخالطة الحبيب ، مع الوكر المشتهي لديها ، والأغصان والعكوف عليها . ويعجبني من ذلك أن أعرابيًا حبس في قلعة جلق المحروسة فضاق به الخناق ، وبلغت عنه الروح التراق ، فدخلت إلى عند المحابيس ، وكان في الحبس اثنان من الديرة فقال لي الأعرابي يا سيدي أنا أقول قاتل الله حابس الطيور في الأقفاص فإنه لشجوه وغرمه يترنم والحابس له بشجوه وعذابه وبلباله يتنعم ، ولو عرف ما في جوفهن من اللهيب الناشيء عن فراق الألف الحبيب والمكان الرحيب ، لكان إلى البكا والوصب ، أقرب منه إلى التنعيم والطرب ، ولكن هان على الخلى ، ما يلقى الملى . فقلت له ومن أين عرفت أنت هذا ؟ فقال قسته على نفسي ، وشبهت حسبه بحسبي ، بجامع أن كلا منا نشأ في الفلاة الواسعة ، والأقطار الشاسعة . فانظر حال هذا الأعرابي مع جفائه وغباوته ، وعدم مخالطته لذوي العلوم وقلة درايته ، كيف أدرك هذا المدرك ، تجده قد أصاب في قياسه وأدرك . والله تعالى أعلم .
( الثالث ) لا ينبغي لأحد أن ينكر على سلطان إلا وعظًا وتخويفًا له ، أو تحذيرًا من العاقبة في الدنيا والآخرة فيجب . قال القاضي ويحرم غير ذلك . قال ابن مفلح: والمراد ولم يخف منه بالتخويف والتحذير وإلا سقط ، وكان حكم ذلك كغيره .
قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله وقالوا له إن الأمر قد تفاقم وفشا ، يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه ، فناظرهم في ذلك وقال عليكم بالإنكار بقلوبكم ولا تخلعوا يدًا من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين ، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم ، وانظروا في عاقبة أمركم ، واصبروا حتى يستريح بر ويستراح من فاجر . وقال ليس هذا يعني نزعهم ديهم من طاعته صوابًا ، هذا خلاف الآثار . وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله بالكف عن الأمراء وينكر الخروج إنكارًا شديدًا . وقال في رواية إسماعيل بن سعد: الكف أي يجب الكف لأنا نجد عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ' ما صلوا فلا ' أي فلا تنزع يد طاقتهم مدة دوامهم يصلون . خلافًا للمتكلمين في جواز قتالهم كالبغاة . وفرق القاضي بينهما من جهة الظاهر والمعنى . أما الظاهر فإن الله تعالى أمر بقتال البغاة بقوله تعالى: ) وإن طائفتان ) ) الحجرات: 9 ) الآية . وفي مسألتنا أمر بالكف عن الأئمة بالأخبار بالمذكورة . وأما معنى فإن الخوارج يقاتلون بالإمام ، وفي مسألتنا يحصل قتالهم بغير إمام انتهى . قال الإمام عبد الله بن المبارك رضي الله عنه:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا
منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يدفع الله بالسلطان معضلة
في ديننا رحمة منه ودنيانا