الصفحة 177 من 830

""""""صفحة رقم 180""""""

وَالْمَخْلُوقِ أَسْنَى الرُّتَبِ , وَالْهَجِينُ الْفَاضِلُ يُقَدَّمُ عَلَى الْهَجَّانِ الْجَاهِلِ , وَالدَّلِيلُ فِي هَذَا جَلِيٌّ .

وَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عَلِيٍّ , وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُهُمْ .

وَأَثْبَتُهُمْ قَدَمًا فِي الإِسْلامِ وَأَقْدَمُهُمْ , وَإِثْبَاتُ هَذِهِ الدَّلالَةِ , مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ ( لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلالَةٍ ) .

ثُمَّ أَخَذَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ فِي نَزْعِ ثِيَابِهِ , مُصِيخًا لتيمور وَمَا يَصْدُرُ مِنْ جَوَابِهِ , فَفَكَّك أَزْرَارَهُ , وَقَالَ لِنَفْسِهِ إنَّمَا أَنْتَ إعَارَةٌ .

وَكَأْسُ الْمَوْتِ لا بُدَّ مِنْ شُرْبِهَا , فَسَوَاءٌ مَا بَيْنَ بُعْدِهَا وَقُرْبِهَا , وَالْمَوْتُ عَلَى الشَّهَادَةِ , مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ , وَأَفْضَلِ أَحْوَالِهَا لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ إلَى اللَّهِ صَائِرٌ , كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ .

فَقَالَ لَهُ تَيْمُورُ مَا حَمَلَك عَلَى نَزْعِ ثِيَابِك ؟ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ بَذْلا لِنَفْسِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا لِعِقَابِك .

فَقَالَ لَهُ قَدْ وَسِعَك حِلْمُنَا .

فَلا تُعْدَمُ سِلْمَنَا .

فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا السُّلْطَانُ الْجَلِيلُ: حَيْثُ مَنَنْت بِالْحِلْمِ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الذَّلِيلِ , فَلْيَكُنْ الأَمَانُ مَصْحُوبًا بِالتَّفْضِيلِ , مِنْ صَوْلَةِ بَعْضِ الْعَسْكَرِ الَّذِي عِدَّةُ مِلَلِهِ تَفُوقُ عَلَى أُمَمِ بَنِي إسْرَائِيلَ .

فَفِيهِمْ مَنْ ابْتَدَعُوا بِدَعًا , وَقَطَعُوا فِي مَذَاهِبِهِمْ قَطْعًا , وَمَزَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا .

وَلا شَكَّ أَنَّ مَجَالِسَ حَضْرَتِك تُنْقَلُ , وَتَخُصُّ فِي سَرَيَانِهَا وَتَشْمَلُ , وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْجَوَابُ عَنِّي , وَوَعَاهُ أَحَدٌ عَنْ سِنِّي خُصُوصًا مَنْ ادَّعَى مُوَالاةَ عَلِيٍّ , وَيُسَمَّى فِي رَفْضِهِ مَنْ وَالَى أَبَا بَكْرٍ بالناصبي , وَتَحَقَّقَ مِنِّي يَقِينِي , وَأَنَّهُ لا نَاصِرَ لِي يَقِينِي , فَإِنَّهُ يَقْتُلُنِي جِهَارًا , وَيُرِيقُ دَمِي نَهَارًا .

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَنَا أَسْتَعِدُّ لِهَذِهِ السَّعَادَةِ , وَأَخْتِمُ أَحْكَامَ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ .

فَقَالَ لَهُ تَيْمُورُ: لِلَّهِ دَرُّك مَا أَفْصَحَك , وَأَنْصَرَك لِمَقَالَتِك , وَأَنْصَحَك , فَأَمَرَ بِجَمَاعَةٍ يُشَيِّعُونَهُ , وَيَحْرُسُونَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ فِي ذَهَابِهِ لِدَارِهِ وَيَحْفَظُونَهُ فَأَحَاطَتْ بِهِ الْجُنْدُ إحَاطَةَ الْهَالَةِ بِالْقَمَرِ , وَصَارُوا حَوْلَهُ كَالسُّوَرِ حَوْلَ الْمِسْوَرِ .

وَمَعَ هَذَا فَقَدْ وَكَزَهُ بَعْضُ الطَّغَامِ , مِنْ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ الرَّعَاعِ الغشام , فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ السَّعَادَةِ .

فَجَرَى مَا جَرَى وَخَتَمَ اللَّهُ عَمَلَهُ بِالشَّهَادَةِ , وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ ابْنُ عَرَبْ شَاهْ فِي تَارِيخِ تَيْمُورَ , وَالشَّيْخُ الْعَلِيمِيِّ فِي الْمَقْصَدِ الأَحْمَدِ , تَرَاجِمِ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَد .

رضوان الله عليهم أجمعين .

وَلَمَّا وَعَظَ الإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْخَلِيفَةَ ( الْمُسْتَضِيءَ بِأَمْرِ اللَّهِ ) سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ قَالَ لَهُ رحمه الله تعالى: لَوْ أَنِّي مَثُلْت بَيْنَ يَدَيْ السدة الشَّرِيفَةِ لَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: كُنْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ مَعَ حَاجَتِك إلَيْهِ كَمَا كَانَ لَك مَعَ غِنَاهُ عَنْك أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدًا فَوْقَك , فَلا تَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَشْكَرَ لَهُ مِنْك .

فَتَصَدَّقْ بِصَدَقَاتٍ وَأَطْلِقْ مَحْبُوسِينَ .

وَوَعَظَ أَيْضًا فِي السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْخَلِيفَةُ حَاضِرٌ فَبَالَغَ فِي وَعْظِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا حَكَاهُ لَهُ أَنَّ الرَّشِيدَ قَالَ لِشَيْبَانَ عِظْنِي , فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لأَنْ تَصْحَبَ مَنْ يُخَوِّفُك حَتَّى تُدْرِكَ الأَمْنَ , خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَصْحَبَ مَنْ يُؤَمِّنُك حَتَّى تُدْرِكَ الْخَوْفَ , قَالَ فَسِّرْ لِي هَذَا , قَالَ مَنْ يَقُولُ لَك أَنْتَ مَسْئُولٌ عَنْ الرَّعِيَّةِ فَاتَّقِ اللَّهَ أَنْصَحُ لَك مِمَّنْ يَقُولُ لَك أَنْتُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مَغْفُورٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت