فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 197""""""
كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي وَيُعَاوِنُونِي , وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الأَسْوَاقَ كُلَّهَا فَلا أَجِدُ فِيهَا زَقَّ خَمْرٍ إلا شَقَقْتُهُ ) رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ .
وَكَذَا لَوْ أَحْرَقَ مَخْزِنَ خَمْرٍ لَمْ يَضْمَنْ كَمَا فِي الْهَدْيِ , وَجَزَمَ بِهِ فِي الإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ .
قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ رضي الله عنه: رَجُلٌ مُسْلِمٌ وُجِدَ فِي بَيْتِهِ خَمْرٌ , قَالَ يُرَاقُ الْخَمْرُ وَيُؤَدَّبُ , وَإِنْ كَانَتْ تِجَارَتَهُ يُحْرَقُ بَيْتُهُ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِرُوَيْشِدٍ .
انْتَهَى .
يُرِيدُ مَا رَوَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِي بَيْتِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ شَرَابًا فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ فَحُرِقَ بَيْتُهُ , وَكَانَ يُدْعَى ( رُوَيْشِدٌ ) فَقَالَ عُمَرُ: إنَّهُ فُوَيْسِقٌ . وَقَالَ الْحَارِثُ: شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَصْطَنِعُ الْخَمْرَ فِي بَيْتِهِ فَيَشْرَبُهَا وَيَبِيعُهَا , فَأُمِرَ بِهَا فَكُسِرَتْ وَحُرِقَ بَيْتُهُ وَأُنْهِبَ مَالُهُ ثُمَّ جُلِدَ , وَنَفَاهُ . رَوَاهُمَا الإِمَامُ ابْنُ بَطَّةَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ 58 وَرَضِيَ عَنْهُ وَلَمَّا بَيَّنَ النَّاظِمُ رحمه الله تعالى الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ بِمَرَاتِبِهِ الثَّلاثَةِ وَبَيَّنَ طَرَفًا مِمَّا يُنْكِرُهُ وَيَكْسِرُهُ وَيُتْلِفُهُ . وَكَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ مِنْ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ , فَيَكُونُ إنَّمَا أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ فَقَطْ , وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي هِجْرَانُهُ , أَعْقَبَ ذَلِكَ بِبَيَانِ هِجْرَانِ أَهْلِ الذُّنُوبِ وَالْعِصْيَانِ فَقَالَ:
3 ( مطلب فِي هَجْرِ مَنْ أَعْلَنَ بِالْمَعَاصِي ) 3
وَهِجْرَانُ مَنْ أَبْدَى الْمَعَاصِيَ سُنَّةٌ وَقَدْ قِيلَ إنْ يَرْدَعْهُ أَوْجِبْ وَآكَدِ ( وَهِجْرَانُ ) مَصْدَرُ هَجَرَهُ هَجْرًا بِالْفَتْحِ وهجرا بِالْكَسْرِ صَرَمَهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْهَجْرُ ضِدُّ الْوَصْلِ يَعْنِي صَرْمَ وَقَطْعَ ( مَنْ ) أَيْ إنْسَانٍ مُكَلَّفٍ ( أَبْدَى ) أَيْ أَظْهَرَ وَأَعْلَنَ ذَلِكَ الْمُكَلَّفُ ( الْمَعَاصِيَ ) جَمْعُ مَعْصِيَةٍ وَهِيَ مَا يُعَابُ فَاعِلُهَا ضِدُّ الطَّاعَةِ . وَلا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَعَاصِي فِعْلِيَّةً أَوْ قَوْلِيَّةً أَوْ اعْتِقَادِيَّةً ( سُنَّةٌ ) مِنْ سُنَنِ الْمُصْطَفَى يُثَابُ الإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِهَا حَيْثُ كَانَ الْهَجْرُ لِلَّهِ تَعَالَى وَغَضَبًا لارْتِكَابِ مَعَاصِيهِ أَوْ لإِهْمَالِ أَوَامِرِهِ .
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ لَمْ يَأْثَمْ إنْ جَفَاهُ حَتَّى يَرْجِعَ , وَإِلا كَيْفَ يَتَبَيَّنُ لِلرَّجُلِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَرَ مُنْكَرًا وَلا جَفْوَةً مِنْ صَدِيقٍ .
وَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ ( صلى الله عليه وسلم ) كَعْبًا وَصَاحِبِيهِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِهَجْرِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا .
وَهَجَرَ نِسَاءَهُ شَهْرًا . وَهَجَرَتْ سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ رضي الله عنها ابْنَ أُخْتِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ
رضِيَ ال لَّهُ عَنْهُمَا مُدَّةً . وَهَجَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَاتُوا متهاجرين رضوان الله عليهم
أجمعين أَمَّا هِجْرَانُ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) كَعْبًا وَصَاحِبَهُ وَهُمَا ( مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ) الْعَامِرِيُّ وَ ( هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ) الْوَاقِفِيُّ فَلِتَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ ( صلى الله عليه وسلم ) فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ . وَأَمَّا
هِجْرَانُهُ أَهْلَهُ شَهْرًا فَلِكَلامٍ أَغْضَبَهُ ( صلى الله عليه وسلم ) مِنْ طَلَبِ بَعْضِ أُمُورٍ وشئون مِنْهُ حَتَّى أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ , فَخَيَّرَهُنَّ فَاخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .