فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 198""""""
وَأَمَّا هِجْرَانُ سَيِّدَتِنَا وَأُمِّنَا عَائِشَةَ رضي الله عنها ابْنَ أُخْتِهَا الإِمَامَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهم فَلِفَرْطِ كَرَمِهَا رضي الله عنها وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهَا بِالدُّنْيَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ رضي الله عنه: إنَّ هَذَا سَفَهٌ أَوْ كَلامٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَوْجَبَ غَضَبَ عَائِشَةَ وَآلَتْ أَنْ لا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا . وَلَفْظُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ
( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا فَقَالَتْ قَالَ هَذَا ؟ قَالُوا نَعَمْ . قَالَتْ هُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إلَيْهَا حِينَ طَالَتْ الْهِجْرَةُ , فَقَالَتْ لا وَاَللَّهِ لا أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا ) . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ أَثَرِ عَائِشَةَ هَذَا أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم )
عَنْ الْهِجْرَةِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ هَجَرَ بِغَيْرِ مُوجِبٍ لِذَلِكَ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الإِسْمَاعِيلِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَفِيهِ فَطَالَتْ هِجْرَتُهَا إيَّاهُ فَنَغَّصَهُ اللَّهُ
بِذَلِكَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ فَاسْتَشْفَعَ بِالْمُهَاجِرِينَ فَلَمْ تَقْبَلْ . وَأَخْرَجَهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ وَزَادَ فِيهِ: فَاسْتَشْفَعَ إلَيْهَا بِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فَقَالَ لَهَا أَيُّ حَدِيثٍ أخبرتنيه عَنْ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنْ الصَّرْمِ فَوْقَ ثَلاثٍ فَلَمْ تَقْبَلْ , أَيْ لأَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَهَا مَخْصُوصٌ كَمَا تَقَدَّمَ . فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَقَالَ لَهُمَا أَنْشُدُكُمَا بِاَللَّهِ لَمَا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِي . فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلِينَ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالا السَّلامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ أَنَدْخُلُ ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ اُدْخُلُوا .
قَالُوا كُلُّنَا ؟ قَالَتْ نَعَمْ اُدْخُلُوا كُلُّكُمْ وَلا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ .
فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ , الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ أَنَّهُ بَكَى وَبَكَتْ وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ . وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ بَعَثَتْ إلَى الْيَمَنِ بِمَالٍ قَالَ فَابْتِيعَ لَهَا بِهِ أَرْبَعُونَ رَقَبَةً فَأَعْتَقَتْهَا كَفَّارَةً لِنَذْرِهَا . وَأَرْسَلَ لَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ بِعَشْرِ رِقَابٍ فَأَعْتَقَتْهُمْ وَلَعَلَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الأَرْبَعِينَ بِأَنْ كَمَّلَتْ عَلَيْهِمْ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ رضي الله عنه: إذَا كَانَتْ الْهِجْرَةُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا يَعْنِي مِنْ أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ بِالْهِجْرَانِ بِشَيْءٍ , فَإِنَّ النَّبِيَّ ( صلى الله عليه وسلم ) هَجَرَ بَعْضَ نِسَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا .
وَابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه هَجَرَ ابْنًا لَهُ إلَى أَنْ مَاتَ . وَالإِمَامُ أَحْمَدُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ هَجَرَ جَمَاعَةً مِمَّنْ أَجَابُوا فِي الْمِحْنَةِ مِثْلَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِمَا مَعَ فَخَامَةِ شَأْنِهِمْ , حَتَّى ذَكَرَ الإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ رضي الله عنه عَمِلَ أَبْيَاتًا فِي شَأْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَأَرْسَلَهَا إلَيْهِ وَهِيَ:
يَا ابْنَ الْمَدِينِيِّ الَّذِي عَرَضَتْ لَهُ
دُنْيَا فَجَادَ بِدِينِهِ لِيَنَالَهَا
مَاذَا دَعَاك إلَى انْتِحَالِ مَقَالَةٍ
قَدْ كُنْت تَزْعُمُ كَافِرًا مَنْ قَالَهَا
أَمْرٌ بَدَا لَك رُشْدُهُ فَتَبِعْته
أَمْ زِينَةُ الدُّنْيَا أَرَدْت نَوَالَهَا ؟
وَلَقَدْ عَهِدَتْك مَرَّةً مُتَشَدِّدًا
صَعْبَ الْمَقَالَةِ لِلَّتِي تُدْعَى لَهَا