الصفحة 196 من 830

""""""صفحة رقم 199""""""

إنَّ الْمُرْزَى مَنْ يُصَابُ بِدِينِهِ

لا مَنْ يُرْزَأُ نَاقَةً وَفِصَالَهَا

ذَكَرَ هَذِهِ الأَبْيَاتَ الإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَنَاقِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رضي الله عنه بِسَنَدٍ لابْنِ الْجَوْزِيِّ رحمه الله .

وَكَمْ إمَامٍ هَجَرَ لِلَّهِ خِدْنًا كَانَ أَعَزَّ عَلَيْهِ لَوْلا انْتِهَاكُهُ لِمَحَارِمِ مَوْلاهُ مِنْ رُوحِهِ , فَصَارَ بِذَلِكَ كَالْجَمَادِ بَلْ أَدْنَى .

فَلا نُطِيلُ الْكَلامَ بِحِكَايَاتِ أَئِمَّةِ الإِسْلامِ وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ خَيْرِ الأَنَامِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ مَعَ كَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَذْكُورَةٌ .

( وَقَدْ ) حَرْفُ تَحْقِيقٍ , وَتَّاتِي لِلتَّقْلِيلِ كَ ( قَدْ يَصْدُقُ الْكَذُوبُ ) وَلِلتَّكْثِيرِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: قَدْ أَتْرُكُ الْفُرْنَ مُصْفَرًّا أَنَامِلُهُ وَلِلتَّوَقُّعِ قَدْ يَقْدُمُ الْغَائِبُ وَتَقْرِيبِ الْمَاضِي مِنْ الْحَالِ قَدْ قَامَ زَيْدٌ وَكَذَا لِتَقْرِيبِ الْمُسْتَقْبَلِ كَقَدْ قَامَتْ الصَّلاةُ وَلِلنَّفْيِ كَقَوْلِهِمْ: قَدْ كُنْت فِي خَيْرٍ فَتَعْرِفَهُ بِنَصْبِ تَعْرِفُ .

وَمَعْنَى هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا لِلتَّحْقِيقِ ( قِيلَ ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ أَصْلُهُ قول بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْوَاوِ اُسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّةُ عَلَى الْقَافِ فَحُذِفَتْ ثُمَّ نُقِلَتْ كَسْرَةُ الْوَاوِ إلَى الْقَافِ فَصَارَتْ قول فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَتْ قِيلَ ( أَنْ يَرْدَعَهُ ) أَيْ إنْ كَانَ الْهِجْرَانُ يَرْدَعُ مَنْ أَظْهَرَ الْمَعَاصِيَ أَيْ يَكُفُّهُ وَيَزْجُرُهُ وَيَرُدُّهُ , يُقَالُ رَدَعَهُ كَمَنَعَهُ كَفَّهُ وَرَدَّهُ ( أَوْجَبَ ) ذَلِكَ عَلَيْهِ ( وَآكَدِ ) الْوُجُوبَ لأَنَّ مَا لَمْ يَتِمَّ الْوَاجِبُ إلا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ .

وَإِنْ حَرْفُ شَرْطٍ جَازِمٌ , وَيَرْدَعْهُ فِعْلُ الشَّرْطِ , وَأَوْجِبْ جَوَابُهُ , وأكد مَعْطُوفٌ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَّةِ .

وَقِيلَ عَلَى الإِطْلاقِ مَا دَامَ مُعْلِنَا

وَلاقِهِ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ مُرْبَدِ

( وَقِيلَ ) أَوْجَبَ هَجْرَهُ ( عَلَى ) سَبِيلِ ( الإِطْلاقِ ) مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِكَوْنِهِ يَرْتَدِعُ بِهَذَا الْهَجْرِ أَوْ لا .

فَمَتَى ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْجِبْ عَلَى نَفْسِك وَإِخْوَانِك الْمُتَشَرِّعِينَ هِجْرَانَهُ ( مَا دَامَ مُعْلِنَا ) أَيْ مُدَّةَ دَوَامِ إعْلانِهِ لارْتِكَابِ الْمَعَاصِي .

وَالإِعْلانُ الظُّهُورُ وَالْبَيَانُ وَهُوَ ضِدُّ السِّرِّ وَالإِخْفَاءِ .

قَالَ فِي الآدَابِ الْكُبْرَى: يُسَنُّ هَجْرُ مَنْ جَهَرَ بِالْمَعَاصِي الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ والاعتقادية , وَقِيلَ: يَجِبُ إنْ ارْتَدَعَ بِهِ وَإِلا كَانَ مُسْتَحَبًّا .

وَقِيلَ: يَجِبُ هَجْرُهُ مُطْلَقًا إلا مِنْ السَّلامِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ .

وَقِيلَ تَرْكُ السَّلامِ عَلَى مَنْ جَهَرَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى يَتُوبَ فَرْضُ كِفَايَةٍ , وَيُكْرَهُ لِبَقِيَّةِ النَّاسِ تَرْكُهُ .

وَظَاهِرُ كَلامِ سَيِّدِنَا الإِمَامِ أَحْمَدَ رضي الله عنه تَرْكُ السَّلامِ وَالْكَلامِ مُطْلَقًا .

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو حُسَيْنٍ فِي التَّمَامِ: لا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي وُجُوبِ هَجْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَفُسَّاقِ الْمِلَّةِ .

وَظَاهِرُ إطْلاقِهِ لا فَرْقَ بَيْنَ الْمُجَاهِرِ وَغَيْرِهِ كَالْمُبْتَدِعِ وَالْفَاسِقِ فَيَنْبَغِي لَك إنْ كُنْت مُتَّبِعًا سُنَنَ مَنْ سَلَفَ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَاهَرَ بِمَعَاصِي اللَّهِ لا تُعَاضِدْهُ وَلا تُسَاعِدْهُ وَلا تُقَاعِدْهُ وَلا تُسَلِّمْ عَلَيْهِ بَلْ اُهْجُرْهُ ( وَلاقِهِ ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ الْمُلاقَاةِ ( بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ ) عَلَى وَزْنِ مُسْتَمِرٍّ هُوَ الْغَلِيظُ , يُقَالُ اكْفَهَرَّ وَجْهُهُ عَبَسَ وَقَطَبَ .

وَفِي الْحَدِيثِ ( اُلْقُوَا الْمُخَالِفِينَ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ عَابِسٍ قَطُوبٍ .

وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه ( إذَا لَقِيَتْ الْكَافِرَ فَأَلْقَهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ ) وَقَوْلُهُ ( مُرْبَدِ ) صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ .

وَالْمُرْبَدُّ الْمُلَوَّنُ وَزْنًا وَمَعْنًى .

قَالَ فِي الْقَامُوسِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت