فهرس الكتاب
حكم الوصف إذا لم يعتمد على نفي أو شبهه
في جعل الوصف الذي لم يعتمد على نفي أو شبهه رأيان:
الأول: يرى الكوفيون والأخفش جواز أن يكون الوصف مبتدأً من غير أنْ يسبقه نفيٌّ، أو استفهام. ففي قوله: ... (فائز أولو الرشد) فائز: مبتدأ، وأولو: فاعل سدّ مسدّ الخبر وهو مضاف، والرشد: مضاف إليه.
الثاني: يرى البصريون عدم جواز ذلك، ففائز عندهم: خبر مقدم، وأولو: مبتدأ مؤخر ومسوّغ الابتداء بالنكرة؛ كونه عاملًا فيما بعده.
جواز كون الضمير المنفصل فاعلًا سدّ مسدّ الخبر
ذهب الجمهور [1] إلى: جواز أن يكون الفاعل الْمُغْني عن الخبر ضميرًا بارزًا، كما يكون اسما ظاهرًا؛ لورود ذلك في الشعر العربي الفصيح، وفي القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: [قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ] [2] .
ولا يجوز أن تُحْمَل على ما ذكروا من التقديم والتأخير؛ إذ لو جعلت (راغبٌ) خبرًا مقدمًا، و (أنت) مبتدأ مؤخرًا لَلَزِمَ بذلك الفَصْل بين (راغب) وبين ما يتعلق به وهو (عن آلهتي) بفاصل أجنبي وهو (أنت) لأن المبتدأ بالنسبة للخبر أجنبي منه، والخبر لا يعمل في المبتدأ على الصحيح، وإذا جعلت (أنت) فاعلًا لا يلزم شيء من ذلك؛ لأن الفاعل بالنظر إلى عامله ليس أجنبيًّا منه. و قال الشاعر:
فَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ ... إذَا الدَّاعِي الْمُثَوِّبُ قَالَ يَالاَ [3]
الشاهد فيه: قوله (فخيرٌ نحن) حيث للنحاة شاهدان فيه:
الأول فإنَّ (نَحْنُ) فاعل سدّ مسدّ الخبر مع أنه لم يتقدم على الوصف (خَيْرٌ) نفيٌ، ولا استفهام عند الكوفيين،
والأخفش. ويرى آخرون أنه لا شاهد في هذا البيت؛ لأن قوله (خير) خبر لمبتدأ محذوف تقديره (نحن) وأما (نحن) المذكور في البيت فهو تأكيد للضمير المستتر في (خير) .
(1) ذهب جماعة من النحاة إلى: أنه يجب أن يكون الفاعل الذي يسدّ مسدّ الخبر اسمًا ظاهرًا، ولا يجوز أن يكون ضميرًا منفصلًا، فإذا قلتَ: أمسافر أنتَ؟ وجب عند هؤلاء أن يكون (مسافر) خبرًا مقدمًا، وأنت: مبتدأ مؤخر.
(2) إذا كان الوصف والمرفوع مفردين ووقع بعدَهما معمول للوصف جاز في المرفوع أن يكون فاعلًا، ولم يَجُزْ أن يكون مبتدأ؛ لأن جَعْلَه مبتدأ يترتَّب عليه أن يُفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، كما في قوله تعالى: [قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ] .
(3) المعنى: نحن أفضل منكم وقت الشدة والاستغاثة عند الناس لأننا إذا دعا الداعي الذي يلوح بثوبه ويقول (يا لفلان) ندركه ونعاونه.