فهرس الكتاب
و أما بالنسبة للشكل الثالث، أي أن يؤدي التاريخ نفسه وظيفة الأسطورة: فإن رواية الأحداث في كتاب العهد الجديد، تساعد على تقديم و إظهار مغزى لتلك الأحداث للأجيال القادمة.
فقصة عيسى تصبح عهدًا (ميثاقًا) جديدًا، النقطة المحورية فيه هي المكاشفة الذاتية (البوح الذاتي) لِلَّهِ عن نفسه للبشرية.
و التاريخ نفسه تمت أسطرته عندما تحولت تلك الفترة التاريخية التي كان يمشي فيها عيسى على الأرض إلى فترة مقدسة أسطورية.
إن كتاب العهد الجديد يقدم لنا صورة مزدوجة عن عيسى: تاريخية (حقيقية) و أسطورية (خيالية) . فـ"عيسى الناصري"رجل في التاريخ يحتل زمانًا و مكانًا محددين، بينما"عيسى المسيح"هو تعبير أسطوري ـ لاهوتي ( [10] ) ينطلق من إيمان الجماعة المسيحية الأولى بكائن و شخصية فاتنة استثنائية.
و هكذا فصورة عيسى في كتاب العهد الجديد تتراوح بين الحقيقة التاريخية و الخيال الأسطوري، فهي متوزعة بين ما فهمه كُتَّاب العهد الجديد و بين ما شعروا به.
و إنه لمن الصعب بمكان النفوذ إلى عيسى التاريخي الحقيقي الواقعي أو إعادة بناء صورة عيسى التاريخي الواقعي المحض، و ذلك لعدة أسباب، منها أن روايات تعاليمه و أحاديثه لم يُبتَدأ في كتابتها إلا بعد انقضاء زمن جيل كامل واحد على الأقل من صدورها، و هي مدة، أوجدت التعاليم الشفهية خلالها تعديلًا و تحويرًا في الذكريات لتخدم هدف الجماعات و الطوائف الدينية المختلفة.
و علاوة على ذلك فإن معاصري المسيح كانوا ينظرون إليه، كلٌّ من زاوية وجهة نظره الخاصة، فمثلًا كان عيسى في أذهان يهود القرن الأول، الذين كانوا تلاميذه، تجسدًا لفكرة المكرس الممسوح بالزيت (بالعبرية مِسِييَّه Messiah، و باليونانية كريستوس Christos) في حين أن آخرين رأوا في المسيح رِبِّيًا (رِبِّيّ هو لقب الحبر أو الحاخام عند اليهود) أو نبيًا أو ملكًا أو مخلِّصًا.