فهذه حالة ينبغي للعبد أن يراعيها مراعاةً كبيرة، وهي المحاسبة للنفس، إذ إن التفكر في الحال المعاش من العبد عند إحداث التوبة، حتى الحال السابق واللاحق، مما يجعل العبد محدثًا توبة ذات وقع كبير على القلب، وذات أثر في حاله بعد.
إن نظر العبد إلى زمانه وحاله الذي أوقع فيه طاعة وقربة إلى الله سبحانه يوجب له أن يكون شاكرًا لتلك النعمة العظيمة، ويكون ذلك محفزًا له نحو الازدياد منها، كذلك: يكون لديه صنع توبةً مما قد يعتري الطاعة من آفة معلومة أو غير معلومة.
ولذلك كانت تقول رابعة العدوية رحمها الله: أستغفر الله من قلة صدقي في قولي: «أستغفر الله» .
وإن نظر العبد إلى ما أوقعه في زمانه من انقياد لشهوة نحو معصية الله تعالى، أو إهمال لطاعة لازمة له، فإن هذه مخالفة لله تعالى، يوجب أن يحدث العبد حيالها أوبةً ورجعةً، ولكن لا يتحصل له الرجوع ولا تتم التوبة إلا بعد أن يَزَعه واعظ القلب بأنه أتى شيئًا من مخالفاته لربه تعالى، وذاك الوازع هو توبيخ النفس وعتابها على ما كان منها، وهو حصيلة للعلم بما كان من حيث استقر لديه أن توبيخه إنما هو على ما ليس بحسن ولا محمود، فيكون بعد ذلك امتلاء قلب الصادق بندم وحسرة على ما كان من تفريط في حق ربه تبارك وتقدس.
فهذه مرحلة سابقة لإيقاع التوبة على وجهها المقبول عند من يدرك حقائق ومعاني هاتيك الوظيفة الشريفة.
تعريف التوبة
إن معرفة معنى (التوبة) في لسان العرب، والعلم بمعناها عند أهل التربية والسلوك يوقفنا على ملاحظة لحقيقة المراد من التوبة حقيقة، إذ قد يختلف فهم قوم للتوبة عن مراد أهل الشأن فيقع خلط كبير جدًا يورث ما لا يُرتضى من تأويلات جانحة عن الصواب.
تعريف التوبة لغة:
قال ابن فارس: «توب: التاء والواو والباء كلمة واحدة، تدل على الرجوع» [1] .
وأما تعريفها اصطلاحًا:
(1) «مقاييس اللغة» (توب) ص (158) .