فإنه لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، لكن في الاصطلاح مزيد تعلق بالمعاني الشرعية، ولأجل ذلك اختلفت عبارات القوم في الإبانة عن معنى التوبة، إلا أنها كلها تعود لأصل واحد، وهو: الندم على المعصية، مع العزم على عدم الرجوع إليها إذا قدر عليها [1] .
وهذا المعنى هو حقيقة التوبة، إذ حقيقتها: الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل [2] .
فهذا التعريف الوجيز لـ (التوبة) حوى ركنين عظيمين فيها:
الأول: الندم على المعصية، وفي الحديث يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الندم توبة» [3] .
قال المناوي رحمه الله معلقًا: أي: هو معظم أركانها؛ لأن الندم وحده كافٍ فيها من قبيل الحج عرفة، وإنما كان معظم أركانها لأن الندم شيء متعلق بالقلب والجوارح تبع له، فإذا ندم القلب انقطع عن المعاصي فرجعت برجوعه الجوارح [4] . اهـ.
وللإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله كلام نفيس في: «الإحياء» (4/4) فيقول: وكثيرًا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم [5] كالسابق والمقدمة، والترك كالثمرة والتابع المتأخر، وبهذا الاعتبار قال عليه الصلاة والسلام: «الندم توبة» إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه وأثمره، وعن عزم يتبعه ويتلوه، فيكون الندم محفوفًا بطرفيه، أعني: ثمرته ومثمره. اهـ.
فالندم على الذنب وارتكابه، ووقوع العبد فيه ركن عظيم في التوبة (لا تتحقق التوبة إلا به، إذ من لم يندم على القبيح فذلك دليل على رضاه به، وإصراره عليه) [6] .
(1) «كشاف اصطلاحات الفنون» (1/219) .
(2) «مدارج السالكين» (1/339) ... وانظر: «شعب الإيمان» للقصري ص (337، 339) .
(3) ابن ماجه (4252) ، والحاكم (4/243) وصححه، وانظر: «فتح الباري (11/103) .
(4) «فيض القدير» (6/298) .
(5) أي: العلم بعظم ضرر الذنب، وأنه حجاب عن الله تعالى.
(6) «مدارج السالكين» (1/339) .