فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 22

فرؤية العبد لعظمة من عصاه وخلافه دليل على يقظة القلب وانتباهته، وفي هذا يقول أنس بن مالك - رضي الله عنه -: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات. [1] .

فصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاحظوا أن المذنب ينظر إلى من عصاه وخالفه وهو الله سبحانه ولا ينظر إلى الذنب، إذ النظر إلى الذنب قد لا يشعر المرء بخطر جريمته، ولا فرق بين كبير الذنوب وصغيرها، وأما النظر إلى عظمة من عصي فإن عظمته والخوف من نقمته تورث استعظامًا للذنب أيًّا كان.

فالذنب يلاحظه المذنب من هاتين الجهتين فيعرف بعد ذلك القدر الذي فاته من القرب إلى الله تعالى، ومن مواصلة السير إليه، وهذه المعرفة توجب ندمًا على التفريط في الذنب.

وأما الركن الثاني من أركان التوبة: فهو الإقلاع عن الذنب، هذا الركن ثمرة الركن الأول، إذ الندم على ما كان من تفريط في جنب الله يثمر عزيمة على الإقلاع والترك للذنب.

ولذا قال سهل بن عبد الله التستري: التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة.

وهذا التبديل طريقه الإقلاع عن ملازمة المذموم، مع دافع العزم على ذلك قبل، فصار شأن الركن الثاني إلى شيئين:

الأول: عزيمة وقصد على الترك، وهذا يورثه التألم الوارد على القلب بفوات القرب من الله تعالى فإن هذا التألم يجعل القلب عاملًا في سلوك ما يصحح ما فاته في ماضيه، وما يحسن حاله، وما يلزمه إصلاح مستقبله، وذلك كله داخل في: القصد والعزيمة على تغيير الحال إلى أحسن منها.

الثاني: الإقلاع عن الذنب، وهذا هو الثمرة المتحققة من: الندم والعزيمة، وهي آخر التوبة، أي: التي بها يكون الانتهاء من الإتيان بحقيقة التوبة شرعًا.

إذا علم هذا فإن التوبة قد آل أمرها إلى ثلاثة أشياء هي شروطها:

الأول: الندم.

الثاني: العزيمة.

الثالث: الإقلاع.

(1) انظر: «الوعظ المطلوب من قوت القلوب» ص (118) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت