وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لله أفرح بتوبة العبد المؤمن من رجل نزل في أرض فلاة دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فإذا راحتله عنده عليها زاده وشرابه، فالله تعالى أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته» [1] .
فهذا الحديث فيه بيان لفرح الله تعالى وتقدس بتوبة عبده إذا تاب إليه، ومتى وقع العبد في خطيئة فتاب إلى ربه قبل من الله تعالى تلك التوبة.
قال القرطبي رحمه الله: هذا مثل قصد به بيان سرعة قبول الله توبة عبده التائب، وأن يقبل عليه بمغفرته، ويعامله معاملة من يفرح بعمله. اهـ [2] .
وقال ابن القيم رحمه الله في «مدارج السالكين» (1/386) : «والقصد: أن هذا الفرح له شأن لا ينبغي للعبد إهماله والإعراض عنه، لا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة بالله وأسمائه وصفاته، وما يليق بعز جلاله. اهـ [3] .
حكم التوبة
التوبة إلى الله تعالى واجبة على كل امرئ مسلم، ودل على ذلك دلالتان:
الأولى: الأخبار والنصوص الواردة في ذلك، وقد مر ذكر شيء فيها.
الثانية: الإجماع على ذلك، قال الإمام الغزالي: والإجماع منعقد من الأمة على وجوبها [4] .
هذا بيان لحكم التوبة من جهة شرعية، ويدخل في ذلك التوبة من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها [5] .
(1) البخاري (6308) ، ومسلم (2744) .
(2) «فتح الباري» (11/106) .
(3) وقد ذكر رحمه الله كلامًا فيه أسرار فرح الله بتوبة العبد تراجع هناك، وفي: «طريق الهجرتين» ص (234 فما بعدها) ، كلامًا حول هذا.
(4) إحياء علوم الدين (4/7) ، و «دليل الفالحين» لابن علان (1/78) .
(5) قال الإمام النووي رحمه الله: «رياض الصالحين» (1/18) ، و «دليل الفالحين» : قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب. اهـ.