لكن هناك وجوبًا سلوكيًّا، وهو الذي لا يبلغه إلا الخلص من الصالحين - سلك الله بنا في دربهم - وحقيقته إيجاب للرجوع إلى الله تعالى في كل حال كان بها انقطاع عن ذكره، ذلك لأن أعظم شيء يحيا به القلب هو ديمومة التعلق بالله تعالى ذكرًا له.
ولقد بين ذلك الإمام الغزالي رحمه الله حيث قال: معنى الواجب ما هو واجب في سعادة الأبد، والنجاة من هلاك الأبد، فإنه لولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل الشيء وتركه لم يكن لوصفه بكونه واجبًا معنى، وقول القائل صار واجبًا بالإيجاب حديث محض، فإن ما لا غرض لنا آجلًا وعاجلًا في فعله وتركه فلا معنى لاشتغالنا به أوجبه علينا غيرنا أو لم يوجبه.
فإذا عرف معنى الوجوب وأنه الوسيلة إلى سعادة الأبد، وعلم أنه لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله تعالى، وأن كل محجوب عنه يشقى لا محالة، محول بينه وسببين ما يشتهي، محترق بنار الفراق ونار الجحيم، وعلم أنه لا مبعد عن لقاء الله إلا اتباع الشهوات، والأنس بهذا العالم الفاني، والانكباب على حب ما لا بد من فراقه قطعًا، وعلم أنه لا مقرب من لقاء الله إلا قطع علاقة القلب عن زخرف هذا العالم، والإقبال بالكلية على الله طلبًا للأنس به بدوام ذكره، والمحبة له بمعرفة جلاله وجماله على قدر طاقته، وعلم أن الذنوب التي هي إعراض عن الله، واتباع لمحاب الشياطين أعداء الله المبعدين عن حضرته، سبب كونه محجوبًا مبعدًا عن الله تعالى.
فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب. اهـ [1] .
فتحصل من ذلك أن الواجب نوعان:
الأول: واجب فقهي، وهو: الرجوع عن الذنب إلى الله تعالى منه. الثاني: واجب سلوكي، وهو: الانصراف عن كل ما يحجب العبد عن الله تعالى.
ولا يكون الثاني إلا بعد الإتيان بالأول على تمامه وكماله، وهو عائد إلى يقظة القلب، وحياته وسلامته.
(1) إحياء علوم الدين (4/5-6) ، وانظر (4/13) .