وبانتقالنا من القرية إلى القسم الداخلي في «دار التوحيد» ، انتقلنا إلى عالم جديد يختلف كل الاختلاف عما تعودناه من طرق المعيشة في وسط جزيرة العرب؛ لأنها كانت محجوبة عن تأثير الثقافات خارج الجزيرة بموقعها الجغرافي البعيد عن طرق البرّ والبحر الرئيسية وفقرها الظاهر فيما يجذب المستعمرين من الشرق أو الغرب، وكان ذلك قدرًا من الله ورحمة منه وتطهيرًا لهذه البقعة من دنس الاستغلال والتسلط النصراني، وجور وبدع وشرك بعض المنتمين للإسلام.
تعرفنا على البناء الحديث والسقوف المشيدة المنقوشة من الطراز التركي، وقد كنا نعيش ولله الحمد مع الغنم والبقر اختيارًا ومع الخفافيش والخنافس والسحالي اضطرارًا، ومع ذلك كنا أكثر ذكرًا لله وتعلقًا به واتكالًا عليه: إن تأخر المطر دعونا الله وتضرعنا إليه لنجد ما نأكله، وإن جاء الله بالمطر دعوناه وتضرعنا إليه ألا يزيد المطر عما تحتمله بيوت الطين والتبن والخشب.
تعرفنا على ألوان جديدة من الطعام وفدت مع الحجاج من أمصارهم لم نكن سمعنا لها اسمًا ولا تذوقنا لها طعمًا: تعلمنا أكل الفور من مصر وخبز التميس من بخارى «وكبسة» الرز من تركستان و «شكشوكة» البيض من تركيا.
وبعد بضع سنين عرفنا الكهرباء، ومن بابه الواسع جاءت الرفاهية وما يصاحبها من كسل وغفلة واعتماد على الأشياء وبالتالي: ضعف في التعلق بالله.
هدف التعلّم:
لازمني في دراستي منذ الابتدائية حتى تخرجت من كلية الشريعة: فقد الهدف المشروع لتعلّم الدين أو المعقول لتعلّم الفنون الدنيوية، وجدت نفسي (ككل طفل) ملزمًا عرفًا بدخول المدرسة الابتدائية، ثم انتقلت إلى دار التوحيد، ثم كلية الشريعة لأنها الطريق الوحيد لمواصلة الدراسة.