لم تكن الوظيفة أو المهنة من قبل تلقي بأي ظل على التعليم لندرة الوظائف الحكومية، وأما المهن فلم تكن المدرسة تعد طالب العلم لها إعدادًا يذكر، ولم تكن تتطلب شهادة دراسية نظرية (قد تفيد قليلًا وقد لا تفيد كثيرًا على محك الواقع) وإنما يحصل عليها من أثبت أهليته لها مهارة وعملًا تشهد بهما الخبرة والتجربة. وكم تمنيت (وطالبت فيما بعد، حين التفتّ إلى وجوب إصلاح التعليم) لو تخلص التعليم من رباطه العرفي المفتعل بالوظيفة وما تمليه من امتحانات وتعقيدات تعوق التعليم وتقيّده وتفسد الهدف منه أكثر مما تفيده.
كانت دراستي محاولة للجمع بين كثير من اللعب وقليل من أداء الواجب، ولم يخطر ببالي الاستفادة من علم ولا علماء دار التوحيد وكلية الشريعة فضلًا عن «معارف» المدرسة الابتدائية. وبالمناسبة فلقد أكبرت ثبات ولاة الأمر في المملكة على كلمة «معارف» عنوانًا للسلطة التعليمية فيها بدلًا من وزارة التربية والتعليم؛ استثناء من اتجاه العالم العربي للتغيير ذاته؛ لأن كلمة «معارف» تصدق على العملية التعليمية العصرية أكثر من وصفها بالتربية والتعليم، إذا قيست نتائجها بمقدماتها وما يبذل فيها من جهد ووقت ومال وما يعطل أثناء ذلك من طاقات عقلية ونفسية وعاطفية [1] كان يكفيني من المدرس الحصول على درجة النجاح والانتقال إلى صف جديد، وحصلت دائمًا على هذا المطلب المتواضع دون جهد يذكر، وذلك من فضل الله وحده؛ فهو سبحانه وتعالى (بعدله) يعطي كل عبد من عباده نتيجة عمله على قدر نيته وعلى قدر جهده: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] ، {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145] .
(1) وتغير اسم وزارة المعارف أخيرًا للأسف ..