كيف يقوم معلّم واحد على تعليم عدد غير محدد من الطلاب (ويسمون «القَرّاية» محرّفة من القراءون) يختلفون في السنّ والإدراك ودرجة التحصيل العلمي؟ ينشغل المعلم بدارس واحد أو اثنين، وقد يعهد بدارس إلى زميل له أكبر سنًّا وأكثر تحصيلًا، وقد يجتمع عدد من «القرّاية» في مستوى متقارب حول زميل لهم يُقْرِئهم القرآن بصوت مرتفع مؤتلف، وقد ترتفع أصوات الطلاب جميعًا بالقراءة من سور مختلفة لا يلوي أحدهم على الآخر، ولا يتأثر به ولا يؤثر فيه، وقد يفتعل المعلّم هذا الأمر عند معاقبة أحد طلابه حتى لا يسمع الناس خارج المدرسة صراخه، وفي هذه الحال يحث بقية الطلاب على رفع أصواتهم بقوله: «صجوا صجة الطلعة» (والصجّ: ضرب الحديد على الحديث ليصدر صوتًا، والصجج: ذلك الصوت) .
أدوات التعليم:
لكل طالب لوح يملكه من الخشب البسيط مستطيل الشكل، في أعلاه نتوء مثقوب يربط فيه خيط للحمل والتعليق، يحضره كل يوم (وبخاصة في بداية عهده بالتعليم في طفولته) يكتب عليه المعلم درسه من الحروف أو الآيات أو السور، فيُكِبّ على تعلمها في المدرسة والبيت، ويعود به في اليوم التالي مغسولًا بالماء، ومبيّضًا بالصالوخ» وهو نوع من الجير الأبيض يؤخذ من أحد الجبال المحيطة بالبلد، (لعل كلمة «الصالوخ» محرّفة من كلمة «الصاروج» من النّورة وأخلاطها) .
ويؤخذ القلم من نبات القصب، ويبرى طرفه بسكين صغيرة (مِبْراة) ليلائم صاحبه.
ويؤخذ الحبر من آثار نار الحطب أو الرّوث أسفل قدور الطبخ أو أسفل (المِقْرصة) وهي صفحة مدورة ومُقببة من الحديد تخبز عليها أقراص الخبز الرقيق من القمح (قِرْصان) في غالب بيوت القرى والمدن.
وتنحت دواة الحبر المستطيلة من الخشب، ويحفظ فيها (مع الحبر) القلم.
مبنى المدرسة:
في طرف سوق البلد بنيت مدرستي من الطّين والتّبن، وسقفت بجريد النخيل وخشب الأثل المغطى بالطين والتبن، وبنيت سواريها الأربع من الأحجار البسيطة المستديرة.