فهذا الحديث يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا، لأنه قد ساق الهدي ولم يحل من عمرته.
ويُلاحظ أن الشوكانيَّ رحمه الله بعدما ذكر أقوال العلماء في الجمع بين الروايات مال إلى الجمع بينها بتعدد الحال، فاختار أنه - صلى الله عليه وسلم - حجّ قارنًا، ثم قال: (( رواية الإفراد غير منافية لرواية القِران؛ لأنّ من روى القران ناقل للزيادة، وغاية الأمر أن يجمع بأنه - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بالحج مفردا ثم أضاف إليه العمرة ) ) (1) وأما روايات من روى التمتع من الصحابة، فتحمل على القِران لأنها تتناوله.
-حكم الأكل من لحم الصيد إذا أُهدي للمحرم.
أ) عن الصعب بن جثامة - رضي الله عنه - أنه أَهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمارًا وحشيا وهو بالأَبْوَاء أو بوَدَّان (2) فردَّه عليه فلما رأى ما في وجهه قال: (( إنّا لم نرده عليك إلا أنا حرم ) ) (3)
ب) عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في منزل في طريق مكة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمامنا والقوم محرمون وأنا غيرُ محرمٍ عامَ الحديبية، فأبصروا حمارا وحشيًا وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي فَلَمْ يُؤْذِنُونِي، وأحبّوا لو أني أبصرته، فالتفتُّ فأبصرته فقمتُ إلى الفرس فأسرجته ثم ركبتُ ونسيتُ السوطَ والرمحَ فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، قالوا والله لا نُعينك عليه، فغضبتُ فنزلت فأخذتهما، ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد
ــــــــــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار (4/ 314) .
(2) الأبواء: موضع بين مكة والمدينة، وما يزال يُعرف بهذا الاسم إلى الآن ويقع شرقي قرية مستورة بنحو ثلاثة كيلومترات، ووَدّان: موضع قريب من الأبواء (انظر: تيسير العلاّم شرح عمدة الأحكام للشيخ عبد الله البسام 2/ 82) .
(3) رواه البخاري كتاب جزاء الصيد باب إذا أهدي للمحرِم حمارًا وحشيًّا (1825) ، ومسلم كتاب الحج باب تحريم الصيد للمحرم (1193) .