فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 123""""""
والمبصر كاأنثى والذكر ؛ ينزع كل واحد منهما إلى تمامه ؛ فلما حضره أبو عبد الله احتبسه للطعام ، وسمع كلامه ، وشاهد سمته ، واستحلى شمائله ، فقام من مجلسه ؛ فلما خلا به قال: يا أبا عبد الله ، لقد والله تهت عجبًا منك ، فأما عجبي بك فقد تقدم ؛ لقد كنت أفلي ديوانك ، فأتمنى لقاءك ، وأقول: من صاحب هذا الكلام ، أطيش طائش ، وأخف خفيف ، وأغرم غارم ؛ وكيف يجالس من يكون في هذا الإهاب ؟ وكيف يقارب من ينسلخ من ملابس الكتاب واصحاب الآداب ؛ حتى شاهدتك الآن ، فتهالكت على وقارك وسكون أطرافك ، وسكوت لفظك ، وتناسب حركاتك ، وفرط حيائك وناضر ماء وجهك ، وتعادل كلك وبعضك ؛ وإنك لمن عجائب خلق الله وطرف عباده ؛ والله ما يصدق واحد أنك صاحب ديوانك ، وأن ذلك الديوان لك ، مع هذا التنافي الذي بين شعرك وبينك في جدك . فقال أبو عبد الله: أيها الأستاذ ، وكان عجبي منك دون عجبك مني ، لو تقارعنا على هذا لفلجت عليك بالتعجب منك . قال: لأني قلت: إذا ورد الأستاذ فسألقى منه خلقًا جافيًا وفظًا غليظًا وصاحب رواسير وآكل كوامخ وجبليًا ديلميًا متكائبًا متعاظمًا ، حتى رأيتك الآن وأنت ألطف من الهواء ، وأرق من الماء ، وأغزل من جميل بن معمر ، وأعذب من الحياة ، وأرزن من الطود ، وأغزر من البحر ، وأبهى من القمر ، وأندى من الغيث ، وأشجع من الليث ، وأنطق من سحبان ، وأندى من الغمام ، وأنفذ من السهام ، وأكبر من جميع