فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 524

""""""صفحة رقم 129""""""

بينهما مستملٍ منهما ومؤدٍ بعضها إلى بعض بالفيض الإمكاني والتوزيع الإنساني ؛ فصواب بديهة الفكرة من سلامة العقل ، وصواب روية الفكرة من صحة الطباع ، وصحة الطباع من موافقة المزاج ، وموافقة المزاج بالمدد الاتفاقي والاتفاق الغيبي ؛ أعني بهذا أن وجه الحادث المجهول عندنا اتفاق ، ووجه الحادث المعلوم عند الله عز وجل غيب ؛ فلو ظهر هذا الغيب لبطل الاتفاق ، ولو بطل الاتفاق لارتفع الغيب . فانقسمت الأحداث بين ما هو على جديلة واحدة معروفة ، وبين نادر لا يدوم العهد به ، فدل ما ظهر واستمر على ما جاد به ووهب ، ودل ما غاب واستتر على ما تفرد به وغلب . ولما كان الحيوان كله يعمل صنائعه بالإلهام على وتيرة قائمة ، وكان الإنسان يتصرف فيها بالاختيار ، صح له من الإلهام نصيب حتى يكون رفدًا له في اختياره ، وكذلك يكون النحل أيضًا ، صح له من الاختيار قسط في إلهامه حتى يكون ذلك معينًا له في اضطراره ، إلا أن نصيب الإنسان من الإلهام أقل كما أن قسط سائر الحيوان من الاختيار أنزر ؛ وثمرة اختيار الإنسان إذا كان معانًا بالإلهام أشرف وأدوم وأجدى وأنفع وأبقى وأرفع من ثمرة غيره من الحيوان إذا كان مرفودًا بالاختيار ، لأن قوة الاختيار في الحيوان كالحلم كما أن قوة الإلهام في الإنسان كالظل . ومراتب الإنسان في العلم ثلاث تظهر في ثلاثة أنفس ، فاحدهم ملهم فيتعلم ويعمل ، ويصير مبدأً للمقتبسين منه ، المقتدين به ، الآخذين عنه ، الحاذين على مثاله ، المارين على غراره ، القافين على آثاره ؛ وواحد يتعلم ولا يلهم فهو يماثل الأول في الدرجة الثانية ، أعني التعلم ؛ وواحد يتعلم ويلهم ، فتجتمع له هاتان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت