فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 137""""""
الأخلاق أسهل من تحديدها ، لكنا تركنا ذلك ، لأن الكلام الذي كان يجري هو على مذهب الخدمة . على أن مراتب هذه الأخلاق مختلفة ، فيبعد أن يعمها حد واحد ، وإنما اختلفت منازلها لأنها تارة تصفو بقوة النفس الناطقة ، وتارة تكدر بالقوانين الأخريين ؛ ولبعضها حدة بالزيادة ، ولبعضها كلة بالنقص ، فلم يكن التحديد يفصل كل ذاك ، فلم نعرج على شيء عجزنا عنه قبل أخذنا فيه . وتتم بقية ما علق بهذه الجملة ، فنقول: وأما الدماثة والكزازة فخلقان محضان تابعان للمزاج ، ثم المران يزيدهما قوة وضعفًا ؛ وهما للنعت أقرب ، كالسهولة والعسر ؛ ولذلك يقال: ما أدمث هذه الأرض ، أي ما أرخاها وألينها ؛ وفي المثل: دمث لجنبك قبل النوم مضجعًا . وأما الحق والباطل فليسا من الخلق ولا الخلق في شيء ، وهما من نتائج المعرفة والنكرة ، لأنك تعرف الحق وتنكر الباطل ، وذلك لأغراض تتبعهما ، ولواحق تلتبس بهما . وأما الغي والرشد فليسا من الخلق ، لكنهما من علائق الأفعال الحميدة والذميمة ؛ وللرأي والعقل فيهما مدخل قوي وحظ تام . وأما البيان والحصر فليس بينهما وبين الخلق علاقة ، وإنما يتبعان المزاج ويزيد فيهما وينقص الجهد والتواني والطلب والقصور . وأما الثقة والارتياب فخلقان يغلبان ينفعان ويضران ويحمدان ويذمان ألا ترى أنه يقال: لا تثق بكل أحد ، ولا ترتب بكل إنسان وهكذا الطمأنينة والتهمة ، لأنهما في طيهما . وأما الحركة والسكون فليسا من حديث الخلق في شيء لأنهما عامان لجميع