فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 177""""""
إفضاء القلم ، والغرض كله الإزادة ، فليس يكثير الطويل . قال: ينبغي أن نعرف باليقظة التامة أن فينا شيئًا ليس بجسم له مدات ثلاث: أعني الطول والعرض والسمك ، ولا يجزأ من جسم ولا عرض من الأعراض ، ولا حاجة به إلى قوة جسمية ، لكنه جوهر مبسوط غير مدرك بحس من الإحساس . ولما وجدنا فينا شيئًا غير الجسم وضد أجزائه بحدته وخاصته ، ورأينا له أحوالًا تباين أحوال الجسم حتى لا تشارك في شيء منها وكذلك وجدنا مباينته للأعراض ، ثم رأينا منه هذه المباينة للأجسام والأعراض إنما هي من حيث كانت الأجسام أجسامًا والأعراض أعراضًا ؛ قضينا أن ها هنا شيئًا ليس بجسم ولا جزء من الجسم ، ولا هو عرض ، ولذلك لا يقبل التغير ولا الحيلولة ، ووجدنا هذا الشيء أيضًا يطلع على جميع الأشياء بالسواء ولا يناله فتور ولا ملال ، ويتضح هذا بشيء أقوله: كل جسم له صورة فإنه لا يقبل صورةً أخرى من جنس صورته الأولى البتة إلا بعد مفارقته الصورة الأولى ، مثال ذلك أن الجسم إذا قبل صورةً أو شكلًا كالتثليث ، فليس يقبل شكلًا آخر من التربيع والتدوير إلا بعد مفارقة الشكل الأول . وكذلك إذا قبل نقشًا أو مثالًا فهذا حاله ، وإن بقي فيه من رسم الصورة الأولى شيء لا يقبل الصورة الأخرى على النظم الصحيح ، بل تنقش فيه الصورتان ، ولا تتم واحدة منهما ، وهذا يطرد في الشمع وفي الفضة وغيرها إذا قبل صورة نقشٍ في الخاتم ؛ ونحن نجد النفس تقبل الصور كلها على التمام والنظام من غير نقص ولا عجز ، وهذه الخاصة ضدٌ لخاصة الجسم ، ولهذا يزداد الإنسان بصيرةً كلما نظر وبحث وارتأى وكشف . ويتضح أيضًا عن كثب أن النفس ليست بعرض ، لأن العرض لا يوجد إلا في غيره ، فهو محمول لا حامل وليس هو قوامًا ، وهذا الجوهر الموصوف بهذه الصفات هو الحامل لما لها أن تحمل ، وليس له شبه من الجسم ولا من العرض .