فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 178""""""
وكان يقول: إذا صدق النظر ، وكان الناظر عاريًا من الهوى ، وصح طلبه للحق بالعشق الغالب ، فإنه لا يخفى عليه الفرق بين النفس المحركة للبدن ، وبين البدن المتحرك بالنفس . قال: ولما عرضت الشبهة لقوم قصر نظرهم ، ولم يكن لهم لحظ ولا اطلاع فظنوا أن الرباط الذي بين النفس والبدن إذا انحل فقد بطلا جميعًا . وهذا ظن فيه عسف ، لأنهما لم يكونا في حال الارتباط على شكل واحد وصورةٍ واحدة ، أعني أنهما تباينا في تصاحبهما وتصاحبا في تباينهما . ألا ترى أن البدن كان قوامه ونظامه وتمامه بالنفس ؟ هذا ظاهر . وليس هذا حكم النفس في شأنها مع البدن ، لأ ، ها واصلته في الأول عند مسقط النطفة ، فما زالت تربيه وتغذيه وتحييه وتسويه حتى بلغ البدن إلى ما ترى ، ووجد الإنسان بها ، لأن النفس وحدها ليست بإنسان ، والبدن وحده ليس بإنسان ، بل الإنسان بهما إنسان ، فإذًا الإنسان نصيبه من النفس أكثر من نصيبه من البدن . وهذه الكثرة توجد في الأول من ناحية شرف النفس في جوهرها ، وتوجد في الثاني من جهة صاحب النفس الذي هو الإنسان بما يستفيده من المعارف الصحيحة ، ويضمه إلى الأفعال الواجبة الصالحة ، فأمر المعارف الصحيحة معرفة الله الواحد الحق باليقين الخالص ، وأمر الأفعال الواجبة الصالحة العبادة له والرضوان عنه . وغاية المعرفة الاتصال بالمعروف ، وغاية الأفعال الواجبة الفوز بالنعيم والخلود في جوار الله ، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا إلى الجواز عليه كل من رجع إلى بصيرة وآوى إلى حسن سيرة . فأما من هو عن هذا كله عمٍ وعما يجب عليه ساهٍ ، فهو في قطيع النعم ، وإن كان متقلبًا في أصناف النعم .