فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 524

""""""صفحة رقم 179""""""

وكان يقول كثيرًا: الناس أصناف في عقولهم: فصنفٌ عقولهم مغمورة بشهواتهم ، فهم لا يبصرون بها إلا حظوظهم المعجلة ، فلذلك يكدون في طلبها ونيلها ، ويستعينون بكل وسع وطاقة على الظفر . وصنف عقولهم منتبهة ، لكنها مخلوطة بسبات الجهل ، فهم يحرضون على الخير واكتسابه ، ويخطئون كثيرًا ، وذلك أنهم لم يكملوا في جبلتهم الأولى وهذا نعتٌ موجود في العباد الجهلة والعلماء الفجرة ، كما أن النعت الأول موجودٌ في طالبي الدنيا بكل حيلة ومحالة . وصنفٌ عقولهم ذكيةٌ ملتهبة ، لكنها عمية عن الآجلة ، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة والوصايا اللطيفة والسمعة الربانية ، وهذا نعت موجود في العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم ، ولا حق عندهم الحق اليقين ؛ وقصروا عن حال أبناء الدنيا الذين يشهرون في طلبها السيوف الحداد ، ويطيلون إلى نيلها السواعد الشداد فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذة وفي طلب الراحة . وصنف عقولهم مضيئة بما فاء عليها من عند الله تعالى باللطف الخفي ، والاصطفاء السني ، والاجتنباء الزكي ، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة ؛ فتراهم حضورًا وهم غيب ، واشياعًا وهم متباينون . وكل صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة ، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ . وهذا كما تقول: الملوك ساسةٌ ، ولكل واحد منهم خاصة ؛ وكما يقولون: هؤلاء شعراء ولكل واحد منهم بحر ؛ وهؤلاء بلغاء ولكل واحد منهم أسلوب وكما تقول: علماء ، ولكل واحد منهم مذهب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت