فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 180""""""
وعلى هذا أبو سليمان - حفظه الله - إذا أخذ في هذا الطريق أطرب ، لسعة صدره بالحكمة ، وفيض صوابه من المعرفة ، وصحة طبيعته بالفطرة . وقال: إنا بعد هذا المجلس تركنا صنفًا لم نرسمه بالذكر ، ولم نعرض له بالاستيفاء ، وهم الهمج الرعاع الذين إن قلت: لا عقول لهم كنت صادقًا ، وإن قلت: لهم أشياء شبيهة بالعقول كنت صادقًا ؛ إلا أنهم في العدد ، من جهة النسبة العنصرية والجبلة الطينية والفطرة الإنسية ، وفي كونهم في هذه الدار عمارة لها ومصالح لأهلها: ولذلك قال بعض الحكماء: لا تسبوا الغوغاء فإنهم يخرجون الغريق ويطفئون الحريق ويؤنسون الطريق ويشهدون السوق . فضحك - أضحك الله ثغره ، وأطال عمره ، وأصلح شأنه وأمره - فقال: قد جرى في حديث النفس أكثر مما كان في النفس ، وفيه بلاغ إلى وقت ، وأظن الليل قد تمطى بصلبه ، وناء بكلكله ؛ وانصرفت .
الليلة الرابعة عشرة
ومر بعد ذلك في عرض السمر: ما تقلد امرؤ قلادةً أفضل من سكينة . فقال: ذكرتني شيئًا كنت مهتمًا به قديمًا ، والآن قرعت إلى بابه ؛ ما السكينة ؟ فإني أرى أصحابنا يرددون هذا الاسم ولا يبسطون القول فيه . فكان من الجواب: سألت أبا سليمان عن السكينة ما هي ؟ فقال: السكائن كثيرة: طبيعية ، ونفسية وعقلية ، وإلهية . ومجموعة من هذه بأنصباء مختلفة ، ومقادير متفاوتة ومتباعدة . والسكينة الطبيعية اعتدال المزاج بتصالح الأسطقسات ، تحدث به لصاحبه شارةٌ تسمى الوقار ، ويكون للعقل فيها أثر باد ، وهو زينة