فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 524

""""""صفحة رقم 185""""""

شيء دونه ، ومستولٍ على كل شيء تحته . وكان يقول في هذا الفن إذا جد به الكلام وبدا منه المكتوم وشرد عنه الخاطر ما لا يوعى بحفظ ، ولا يروى بلفظ . وإنما كان أصحابنا ينتظرون منثوره بهذه الحروف لفظًا لينظموا منه شذرًا وعقدًا ، وكانوا إذا تلاقوا اشتركوا في تقويم ذلك كله ، وتعاونوا على تحبيره ، وتصادقوا على مفهومهم منه ، وتجنبوا المنازعة والشغب عليه ، وأخذوا بالعفو والممكن منه ، لئلا يفوتهم المعنى ، ولا يتحيرون في المنتهى . وسأله الأندلسي في هذا المجلس عن الأمم وأحوالها ، ونقصها وكمالها فقال: اشتركت الأمم في جميع الخيرات والشرور ، وفي جميع المعاني والأمور: اشتراكًا أتى على أول التفاوت ووسطة وآخره ، ثم استبدت كل أمة بقوالب ليست لأختها ، واشتراكهم فيها كالأصول واستبدادهم كالفروع ، وفيما اشتركوا فيه المحمود والمذموم . ولم يجز في الحكمة الإلهية غير هذه القسمة ، لأن الاشتراك لو سبق بلا تفاوت لم يكن اشتراكًا ، والتقاسم لو عري من الاتفاق لم يكن تقاسمًا ، فصار ما من أجله يفترقون ، به يجتمعون ، وما من أجله ينتظمون ، به ينتثرون . فعلى هذا اشتركوا في الأخلاق واللغات ، والعقائد والصناعات ، وجر المنافع ودفع المضار ، مع اختلافهم فيها بنوع ونوع . ألا ترى أن لغة الهند غير لغة الروم ، وكذلك الصناعة والعقيدة وما يجري مجراهما ، إلا أنهم مع هذه الأصول والقواعد تقاسموا أشياء بين الفطرة والتنبيه ، وبين الاختيار والتقدمة ، فصار الاستنباط والغوص والتنقير والبحث والاستكشاف والاستقصاء والفكر ليونان والوهم والحدس والظن والحيلة والتحيل والشعبذة للهند والحصافة واللفظ والاستعارة والإيجاز والاتساع والتصريف والسحر باللسان للعرب ؛ والروية والأدب والسياسة والأمن والترتيب والرسوم والعبودية والربوبية للفرس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت