فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 189""""""
ينسل من إهابه الذي لصق به ، أو يفلت من حصاره الذي حبس فيه ، ويهرول إلى حبيبه الذي قد تجلى له وبرز إليه . إلا أن هذا المعنى على هذا التنضيد إنما هو للفلاسفة الذين لهم عناية بالنفس والإنسان وأحوالهما . وأما غيرهم فطربهم شبيهٌ بما يعتري الطير وغيرها ، وانصرفت .
الليلة الخامسة عشرة
وجرى مرة كلامٌ من الممكن ، فحكيت عن ابن يعيش الرقي فصلًا سمعته يقوله ، لابأس برسمه في هذا الموضع ، فإن التشاور في هذا الحرف دائم متصل وينبغي لنا أن نبحث عنه بكل زحف وحبو ، وبكل كد وعفو . قال: الممكن شبيهٌ بالرؤيا لا بدن له يستقل به ، ولا طبيعة يتحيز فيها . ألا ترى أن الرؤيا تنقسم على الأكثر والأقل والتساوي ، وكما أن الرؤيا ظل من ظلال اليقظة ، والظل ينقص ويزيد إذا قيس إلى الشخص ؛ كذلك الممكن ظل من ظلال الواجب ، فطورًا يزيد تشابهًا للواجب ، وطورًا ينقص تشاكها للمتنع ، وطورًا يتساوى بالوسط . قال: والواجب لا عرض له ، لأنه حد واحد ، وله نصيب من الوحدة بدليل أنه لا تغير له ولا حيلولة لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالحدثان ولا بالطبيعة ولا بالوهم ولا بالعقل ، بل العقل ينقاد له ، والطبيعة تسلم إليه ، والوهم يفرق منه وصورة الواجب لا يحدسها الظن ، ولا يتحكم فيها تجويز ، ولا يتسلط عليها دامغ ولا ناسخ ، وهذا الحكم يطرد على الممتنع ، لأنه في مقابلته على الضد ، أعني أنه لا بدن له ، فيكون له عرض ، والعرض كله للمكن بالنعت الذي سلف من الكثرة والقلة والمساواة . ولهذا تعلقت التكاليف به في ظاهر الحال وبادىء الأمر وعارض الشان ، واستولى الوجود عليه بباطن الحال وخفي الأمر وراتب الشان ، لكن هذا الفصل الذي اشتمل على