فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 195""""""
الإلهيات أقر بالجبر وعرى نفسه من العقل والاختيار والتصرف والتصريف ، لأن هذه وإن كانت ناشئةً من ناحية البشر ، فإن منشأها الأول إنما هو من الدواعي والبواعث والصوارف والموانع التي تنسب إلى الله الحق ؛ فهذا هذا . فأما من نظر إلى هذه الأحداث والكائنات والاختيارات والإرادات من ناحية المباشرين الكاسبين الفاعلين المحدثين اللائمين الملومين المكلفين ، فإنه يعلقها بهم ويلصقها برقابهم ، ويرى أن أحدًا ما أتي إلا من قبل نفسه وبسوء اختياره وبشدة تقصيره وإيثار شقائه ؛ والملحوظان صحيحان واللاحظان مصيبان ، لكن الاختلاف لا يرتفع بهذا القول والوصف ، لأنه ليس لكل أحد الوصول إلى هذه الغاية ، ولا لكل إنسان اطلاع إلى هذه النهاية . فلما وقعت البينونة بين الناظرين بالطبع والنسبة لم يرتفع القال والقيل من ناحية القول والصفة ، فهذا هذا . قال - أطال الله بقاءه - فما الفرق بين القضاء والقدر ؟ فكان من الجواب: أن أبا سليمان قال: إن القضاء مصدره من العلم السابق ، والقدر مورده بالأجزاء الحادثة . فقال: لم ورد في الأثر: لا تخوضوا في القدر فإنه سر الله الأكبر . فكان من الجواب: أن أبا سليمان قال لنا في هذه الأيام . إن الناموس ينطق بما هو استصلاح عام ، ليكون النفع به شائعًا في سكون النفس وطيب القلب وروح الصدور . فإن كان هذا هكذا فقد وضح أن حكمة هذا السر طيه ، لأن عجز الناظرين يفضي بهم إلى الحيرة ، والحيرة مضلة ، والمضلة هلكة . وإذا كانت الراحة في الجهل بالشيء ، كان التعب في العلم بالشيء ، وكم علمٍ لو بدا لنا لكان فيه شقاء عيشنا ، وكم جهل لو ارتفع منا لكان فيه هلاكنا ؛ والعلم والجهل مقسومان بيننا ومفضوضان علينا على قدر احتمال كل واحد منا للذي سبق إليه وعلق به ، ألا ترى أن علمنا لو أحاط بموتنا متى يكون ؟ وعلى أي حال تحدث العلة أو المحنة أو البلاء ؟ لكان ذلك مفسدةً لنا ، ومحنةً شديدةً علينا .