فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 196""""""
فانظر كيف زوى الله الحكيم هذا العلم عنا ، وجعل الخيرة فيه لنا . ألا ترى أيضًا أن جهلنا لو غلب علينا في جميع أمورنا لكان فساد ذلك في عظم الفساد الأول ، والبلاء منه في معرض البلاء المتقدم ، فمن هذا الذي أشرف على هذا الغيب المكنون والسر المخزون فيغفل عن الشكر الخالص ، والاستسلام الحسن ، والبراءة من كل حول وقوة . فالاستمداد ممن له الخلق والأمر ، أعني الإبداء والتكليف ، والإظهار والتشريف ، والتقدير والتصريف . قال: هذا فن حسن ، وأظنك لو تصديت للقصص والكلام على الجميع لكان لك حظ وافر من السامعين العاملين ، والخاضعين والمحافظين . فكان من الجواب: أن التصدي للعامة خلوقة ، وطلب الرفعة بينهم ضعة ، والتشبه بهم نقيصة ؛ وما تعرض لهم أحد إلا أعطاهم من نفسه وعلمه وعقله ولوثته ونفاقه وريائه أكثر مما يأخذ منهم من إجلالهم وقبولهم وعطائهم وبذلهم . وليس يقف على القاص إلا أحد ثلاثة . إما رجل أبله ، فهو لا يدري ما يخرج من أم دماغه . وإما رجل عاقلٌ فهو يزدريه لتعرضه لجهل الجهال ، وإما له نسبة إلى الخاصة من وجه ، وإلى العامة من وجه ، فهو بتذبذب عليه من الإنكار الجانب للهجر ، والاعتراف الجالب للوصل ، فالقاص حينئذ ينظر إلى تفريغ الزمان لمداراة هذه الطوائف ، وحينئذ ينسلخ من مهماته النفسية ، ولذاته العقلية ، وينقطع عن الازدياد من الحكمة بمجالسة أهل الحكمة ، إما مقتبسًا منهم ، وإما قابسًا لهم ؛ وعلى ذلك فما رأيت من انتصب للناس قد ملك إلا درهمًا وإلا دينارًا أو ثوبًا ؛ ومناصبةً شديدةً لمماثليه وعداته .