فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 205""""""
قال: ومما يزيدك وضوحًا ويريك عجبًا أن الأمة اختلفت في آرائها ومذاهبها ومقالاتها فصارت أصنافًا فيها وفرقًا ؛ كالمرجئة والمعتزلة والشيعة والسنية والخوارج ، فما فزعت طائفةٌ من هذه الطوائف إلى الفلاسفة ، ولا حققت مقالتها بشواهدهم وشهادتهم ، ولا اشتغلت بطريقتهم ، ولا وجدت عندهم ما لم يكن عندها بكتاب ربها وأثر نبيها . وهكذا الفقهاء الذين اختلفوا في الأحكام من الحلال والحرام منذ أيام الصدر الأول إلى يومنا هذا لم نجدهم تظاهروا بالفلاسفة فاستنصروهم ، ولا قالوا لهم: أعينونا بما عندكم ؛ واشهدوا لنا أو علينا بما قبلكم . قال: فأين الدين من الفلسفة ؟ وأين الشيء المأخوذ بالوحي النازل ، من الشيء المأخوذ بالرأي الزائل ؟ فإذ أدلوا بالعقل فالعقل موهبةٌ من الله جل وعز لكل عبد ، ولكن بقدر ما يدرك به ما يعلوه ، كما لا يخفى به عليه ما يتلوه ، وليس كذلك الوحي ، فإنه على نوره المنتشر ، وبيانه الميسر . قال: وبالجملة ، النبي فوق الفيلسوف ، والفيلسوف دون النبي ؛ وعلى الفيلسوف أن يتبع النبي ، وليس على النبي أن يتبع الفيلسوف ، لأن النبي مبعوث ، والفيلسوف مبعوثٌ إليه . قال: ولو كان العقل يكتفى به لم يكن للوحي فائدةٌ ولا غناءٌ ، على أن منازل الناس متفاوتةٌ في العقل ، وأنصباؤهم مختلفةٌ فيه ؛ فلو كنا نستغني عن الوحي بالعقل كيف كنا نصنع ، وليس العقل بأسره لواحدٍ منا ، وإنما هو لجميع الناس ، فإن قال قائل بالعبث والجهل: كل عاقل موكولٌ إلى قدر عقله ، وليس عليه أن يستفيد الزيادة من غيره ، لأنه مكفي به ، وغير مطالبٍ بما زاد عليه . قيل له: كفاك تماديًا في هذا الرأي أنه ليس لك فيه موافق ، ولا عليه مطابق ؛ ولو استقل إنسانٌ واحدٌ بعقله في جميع حالاته في دينه ودنياه لاستقل أيضًا بقوته في جميع حاجاته في دينه ودنياه ، ولكان وحده يفي بجميع الصناعات والمعارف ، وكان لا يحتاج إلى أحدٍ من نوعه وجنسه ؛ وهذا قولٌ مزدول ورأيٌ مخذول . قال البخاري: وقد اختلفت أيضًا درجات النبوة بالوحي ، وإذا ساغ هذا الاختلاف في الوحي ولم يكن ذلك ثالمًا له ، ساغ أيضًا في العقل ولم يكن مؤثرًا فيه .