فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 524

""""""صفحة رقم 206""""""

فقال: يا هذا ، اختلاف درجات أصحاب الوحي لم يخرجهم عن الثقة والطمأنينة بمن اصطفاهم بالوحي ، وخصهم بالمناجاة ، واجتباهم للرسالة ، وأكملهم بما ألبسهم من شعار النبوة ؛ وهذه الثقة والطمأنينة مفقودتان في الناظرين بالعقول المختلفة ، لأنهم على بعدٍ من الثقة والطمأنينة إلا في الشيء القليل والنزر اليسير ؛ وعوار هذا الكلام ظاهر ، وخطل هذا المتكلم بين . قال الوزير: أفما سمع شيئًا من هذا المقدسي ؟ قلت: بلى قد ألقيت هذا وما أشبهه بالزيادة والنقصان ، والتقديم والتأخير ، في أوقات كثيرة بحضرة حمزة الوراق في الوراقين ، فسكت ، وما رآني أهلًا للجواب ؛ لكن الحريري غلام ابن طرارة هيجه يومًا في الوراقين بمثل هذا الكلام ، فاندف فقال: الشريعة طب المرضى ، والفلسفة طب الأصحاء ، والأنبياء يطبون للمضرى حتى لا يتزايد مرضهم ، وحتى يزول المرض بالعافية فقط . فأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرضٌ أصلًا ، فبين مدبر المريض ومدبر الصحيح فرقٌ ظاهر وأمرٌ مكشوف ، لأن غاية مدبر المريض أن ينتقل به إلى الصحة ، هذا إذا كان الدواء ناجعًا ، والطبع قابلًا ، والطبيب ناصحًا . وغاية مدبر الصحيح أن يحفظ الصحة ، وإذا حفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل ، وفرغه لها ، وعرضه لاقتنائها ؛ وصاحب هذه الحال فائزٌ بالسعادة العظمى ، ومتبوىءٌ الدرجة العليا ؛ وقد صار مستحقًا للحياة الإليهة ؛ والحياة الإلهية من الخلود والديمومة والسرمدية . فإن كسب من يبرأ من المرض بطب صاحبه الفضائل أيضًا ؛ فليست تلك الفضائل من جنس هذه الفضائل ، لأن إحداهما تقليدية ، والأخرى برهانية ؛ وهذه مظنونةٌ ، وهذه مستيقنة ، وهذه روحانية ، وهذه جسمية ، وهذه دهرية ، وهذه زمانية . وقال أيضًا: إنما جمعنا بين الفلسفة والشريعة لأن الفلسفة معترفةٌ بالشريعة ، وإن كانت الشريعة جاحدةً لها ؛ وإنما جمعنا أيضًا بينهما لأن الشريعة عامة ، والفلسفة خاصة ، والعامة قوامها بالخاصة ، كما أن الخاصة تمامها بالعامية ؛ وهما متطبقتان إحداهما على الأخرى ، لأنها كالظهارة التي لا بد لها من البطانة ، وكالبطانة التي لابد لها من الظهارة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت