فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 524

""""""صفحة رقم 207""""""

فقال له الحريري: أما قولك طب المرضى وطب الأصحاء وما نسقت عليه كلامك فمثلٌ لا يعبر به غيرك ومن كان في مشكل ، لأن الطبيب عندنا الحاذق في طبه هو الذي يجمع بين الأمرين ، أعني أنه يبرىء المريض من مرضه ، ويحفظ الصحيح على صحته ؛ فأما أن يكون ها هنا طبيبان يعالج أحدهما الصحيح ، والآخر يعالج المريض ، فهذا ما لم نعهده نحن ولا أنت ؛ وهو شيءٌ خارجٌ عن العادة ، فمثلك مردودٌ عليك ، وتشنيعك فاضحٌ لك ، وكل أحد يعلم أن التدبير في حفظ الصحة ودفع المرض - وإن كان بينهما فرق - واحد ، فالطب يجمعهما ، والطبيب الواحد يقوم بهما وبشرائطهما . وأما قولك في الفصل الثاني: إن أحدى الفضيلتين تقليدية ، والأخرى برهانية ، فكلامٌ مدخول ، لأنك غلطت على نفسك ؛ ألا تعلم ان البرهانية هي الواردة بالوحي ، الناظمة للرشد ، الداعية إلى الخير ، الواعدة بحسن المآب ؛ وأن التقليدية هي المأخوذة من المقدمة والنتيجة ، والدعوى التي يرجع فيها إلى من ليس بحجة ، وإنما هو رجلٌ قال شيئًا فوافقه آخر وخالفه آخر ، فلا الموافق له يرجع إلى الوحي ، ولا المخالف له يستند إلى حق ؛ والعجب أنك جعلت الشريعة من باب الظن ، وهي بالوحي ، وجعلت الفلسفة من باب اليقين ، وهي من الرأي . وأما قولك: هذه روحانية - تعني الفلسفة - وهذه جسمية - تعني الشريعة - فزخرفة لا تستحق الجواب ، ولمثل هذا فليعمل المزخرفون ؛ على أنا لو قلنا: بل الشريعة هي الروحانية ، لأنها صوت الوحي ، والوحي من الله عز وجل ، والفلسفة هي الجسمية ، لأنها برزت من جهة رجل باعتبار الأجسام والأعراض ، وما هذا شأنه فهو بالجسم أشبه ، وعن لطف الروح أبعد لما أبعدنا . وأما قولك: الفلسفة خاصةٌ والشريعة عامة ، فكلام ساقط لا نور عليه ، لأنك تشير به إلى أن الشريعة يعتقدها قوم - وهم العامة - والفلسفة ينتحلها قوم - وهم الخاصة - فلم جمعتم رسائل إخوان الصفاء ودعوتم الناس إلى الشريعة وهي لا تلزم إلا للعامة ، ولم تقولوا للناس: من أحب أن يكون من العامة فليتحل بالشريعة ، فقد ناقضتم ، لأنكم حشوتم مقالتكم بآياتٍ من كتاب الله تزعمون بها أن الفلسفة مدلولٌ عليها بالشريعة ، ثم الشريعة مدلولٌ عليها بالمعرفة ، ثم هأنت تذكر أن هذه للخاصة ؛ وتلك للعامة ؛ فلم جمعتم بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت