""""""صفحة رقم 14""""""
وأخطب لك قبولًا منه ، وتخفيف الإذن عليك ، وامتلاء الطرف بك ، ونيل الحظوة بخدمتك وملازمتك ؛ وفعلت ذلك كله حتى استكتبك كتاب الحيوان لأبي عثمان الجاحظ ، لعنايتك به ، وتوفرك على تصحيحه ، ثم حضنت لك هذه الحال إلى يومنا هذا ؛ وهو الوزير العظيم الذي افتقرت الدولة إلى نظره وأمره ونهيه ، وإلى أن يكون هو المبرم والناقض ، والرافع والواضع ، والكافي والوافي ، والمقرب لخدمها ونصحائها ، والمزحزح لحسدتها وأعدائها ؛ والراعي لرعيتها ودهمائها ، والناهض بأثقالها وأعبائها ، أعانه الله على ما تولاه ، وكفاه المهم في دنياه وأخراه ، بمنه وقدرته . نعم ورتبت ذلك كله ، ولم أقطع عنك عادتي معك في الاسترسال والانبساط ، والبر والمواساة ، والمساعدة والمواتاة ، والتعصب والمحاماة . أفكان من حقي عليك في هذه الأسباب التي ذكرتها ، وفي أخواتها التي تركتها كراهة الإطالة بها أنك تخلو بالوزير - أدام الله أيامه - ليالي متتابعةً ومختلفة ، فتحدثه بما تحب وتريد ، وتلقي إليه ما تشاء وتختار ، وتكتب إليه الرقعة بعد الرقعة ؛ ولعلك في عرض ذلك تعدو طورك بالتشدق وتجوز حدك بالاستحقار ، وتتطاول إلى ما لبس لك ، وتغلط في نفسك ، وتنسى زلة العالم ، وسقطة المتحري ، وخجلة الواثق ؛ هذا وأنت غرٌ لا هيئة لك في لقاء الكبراء ، ومحاورة الوزراء ؛ وهذه حالٌ تحتاج فيها إلى عادة غير عادتك ، وإلى مرانٍ سوى مرانك ، ولبسةٍ لا تشبه لبستك ؛ وقل من قرب من وزيرٍ خدم فأجاد ، وتكلم فأفاد ، وبسط فزاد ؛ وإلا سكر ، وقل من سكر إلا عثر وقل من عثر فانتعش ، وما زهد في هذه الحال كثيرٌ من الحكماء الأولين والعباد الربانيين ؛ إلا لغلظها وصعوبتها ، ومكروه عاقبتها ، وشدة الصبر على فوارضها ورواتبها ،