فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 87""""""
وبالأنفة وبالتقزز وبالتعزز ألا يجيبوه إلى ذلك ، ويشكوا في كل آية يرون منه ، ويقتلوه ، وينكلوا به . ولكن بمثل هذا العقل قبلوا من مزدك ما قبلوه مرة ، ولو عاملوا زرادشت بما عاملوا به مزدك ما كان الأمر إلا واحدًا ، ولا كان الحق إلا منصورًا ، ولا كان الباطل إلا مقهورًا ، ولكن اتفق على مزدك ملك عاقل فوضع باطله ، واتفق لزرادشت ملك ركيك فرفع باطله ؛ وما نزع الله عنهم الملك إلا بالحق ، كما قال تعالى: ' فلما آسفونا انتقمنا منهم ' . ثم قال: وبعد ، فكل شيء خارجٍ من الحكمة الإلهية والعقلية والطبيعية فهو ساقطٌ بهرج ، ومردودٌ مرذول ، إذا فعله جاهل عذر بالجهل ، وإذا أتاه عالم عذل للعلم . قال: وكانت العرب بهذا الخلق الذميم ، وهذا الفعل اللئيم ، لو فعلته أعذر ، لأنهم أشد غلمة من غيرهم وأكثر تهيجًا ، وأقوى على البضاع ، وأوثب على النساءئ يدلك على هذا غزلهم وعشقهم ونظمهم ونثرهم وفراغهم وشهوتهم ، وتراهم مع هذه الدواعي والبواعث لم يستحسنوا هذا ولم يفعلوه ، ولو أكرههم على هذا مكره ودعاهم إليه داع لما أطاعوه ، ولذلك لم ينجم منهم ناجم بالحيلة فدعا إلى هذا ؛ ولو كان لكان أول من دق رأسه بالعمد ، وبعج بطنه بالخنجر ؛ وما منعهم من هذا إلا الأنفس الكريمة ، والطباع المعتدلة ، والشكائم الشديدة ، والأرواح العيفة ، والعادات الرضية ، والضرائب الطيبة ؛ وكان وأد البنات عندهم أنفى للمعاير ، وأطرد للقبائح من هذا الذي استحسنه زرادشت وقبل منه الفرس ، وهم يدعون الحكم والعلم والحزم والعزم ، ولفرط جهلهم وغلبة شهوتهم غفلوا عما يجوز أن يكون الله سبحانه مبيحًا له أو حاظرًا ، أو مطلقًا أو مانعًا ، أو محللًا أو محرمًا ؛ هيهات ما كلف الله أهل العقل القيام بالدين والتصفح للحق من الباطل إلا لما شرفهم به في العاجل ، وعرضهم له في الآجل ؛ والعاقبة للمتقين .