فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 524

""""""صفحة رقم 90""""""

الليلة السابعة

ولما عدت إليه في مجلس آخر ، قال: سمعت صياحك اليوم في الدار مع ابن عبيد ، ففيم كنتما ؟ قلت: كان يذكر أن كتابه الحساب أنفع وأفضل وأعلق بالملك ، والسلطان إليه أحوج ، وهو بها أغنى من كتابة البلاغة والإنشاء والتحرير ، فإذا الكتابة الأولى جد ، والأخرى هزل ؛ ألا ترى أن التشادق والتفهيق والكذب والخداع فيها أكثر ؛ وليس كذلك الحساب والتحصيل والاستدراك والتفصيل . قال: وبعد هذا فتلك صناعةٌ معروفة بالمبدأ ، موصولةٌ بالغاية ، حاضرة الجدوى ، سريعة المنفعة ؛ والبلاغة زخرفة وحيلة ، وهي شبيهة بالسراب ، كما أن الأخرى شبيهة بالماء . قال: ومن خساسة البلاغة أن أصحابها يسترقعون ويستحمقون ؛ وكان الكتاب قديمًا في دور الخلفاء ومجالس الوزراء يقولون: اللهم إنا نعوذ بك من رقاعة المنشئين ، وحماقة المعلمين ، وركاكة النحويين ، والمنشىء والمعلم والنحوي إخوة وإن كانوا لعلات ؛ والآفة تشملهم والعادة تجمعهم ، والنقص يغمرهم ، وإن اختلفت منازلهم ، وتباينت أحوالهم . قال: ولو لم يكن من صنعة الإنشاء إلا أن المملكة العريضة الواسعة يكتفى فيها بمنشىء واحد ، ولا يكتفى فيها بمائة كاتب حساب . . . . وإذا كانت الحاجة إلى هذه أمس ، كانت الأخرى في نفسها أخس ؛ وبعد ، فمصالح أحوال العامة والخاصة معلقة بالحساب ؛ على هذه الجديلة والوتيرة يجري الصغار والكبار والعلية والسفلة ، وما زال أهل الحزم والتجارب يحثون أولادهم ومن لهم به عناية على تعلم الحساب ، ويقولون لهم: هو سلة الخبز . وهذا كلام مستفيض ؛ ومن عبر عما في نفسه بلفظ ملحونٍ أو محرف أو موضوع غير موضعه وأفهم غيره ، وبلغ به إرادته ، وأبلغ غيره ، فقد كفى ؛ والزائد على الكفاية فضل والفضل يستغنى عنه كثيرًا ، والأصل يفتقر إليه شديدًا ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت