فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 524

""""""صفحة رقم 95""""""

وأما قولك: ما زال الناس يحثون أولادهم على تعلم الحساب ويقولون: هو سلة الخبز فهو كما قلت ، لأن الحاجة إليه عامة للكابر والصغار ؛ وأشرف الصناعات يحتاج إليها أشرف الناس ، وأشرف الناس الملك ، فهو محتاج إلى البليغ والمنشىء والمحرر ، لأنهلسانه الذي به ينطق ، وعينه التي بها يبصر ، وعيبته التي منها يستخرج الرأي ويستبصر في الأمر ، ولأنه بهذه الخاصة لا يجوز أن يكون له شريك ، لأنه حامل الأسرار ، والمحدث بالمكنونات ، والمفضي إليه ببنات الصدور . وأما قولك: من عبر عما في نفسه بلفظ ملحون أو محرف وأفهم غيره فقد كفى فكيف يصح هذا الحكم ويقبل هذا الرأي ؟ والكلام يتغير المراد فيه باختلاف الإعراب ، كما يتغير الحكم فيه باختلاف الأسماء ، وكما يتغير المفهوم باختلاف الأفعال ؛ وكما ينقلب المعنى باختلاف الحروف ؛ ولقد قال رجل بالري كان نبيلًا في حاله جليلًا في مرتبته عظيمًا عند نفسه: اقعد حتى تتغذى بنا . وهو يريد: حتى نتغذى معنا ؛ فانظر إلى هذا المحال الذي ركبه بلفظه وإلى المراد الذي جانبه بجهله ؛ ولهذا نظائر غير خافية عليك ولا ساقطةٍ دونك وكفى بالبلاغة شرفًا أنك لم تستطع تهجينها إلا بالبلاغة ، ولم تهتد إلى الكلام عليها إلا بوتها ؛ فانظر كيف وجدت في استقلالها بنفسها ما يقلها ويقل غيرها ؛ وهذا أمر بديع وشأنٌ عجيب . وأما قولك: ومن آفاتها أن أصحابها يقرفون بالريبة وينالون بالعيب فهذا ما لا يستحق الجواب ، وما يضر الشمس نباح الكلاب ؛ وصيانة اللسان عن هذا النوع أحسن ؛ قال الله تعالى: ' وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا ' ؛ وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لو كان المرء أقوم من قدحٍ لوجد له غامر . وآل ابن وهب وابن ثوابة كانوا أنبل وأفضل وأعقل من أن يظن بهم ما لا يظن بخساس العبيد وسفهاء الناس وداصة الرعية وسفلة العامة ؛ على أنا ما سمعنا هذا إلا في مجلس ابن عباد ، منه وممن كان يخبط في هواه ، ويتحرى بمثل هذه الأحاديث رضاه ؛ وحسده لهم في صناعتهم يبعثه على هذه الأكاذيب عليهم ؛ فالعجب أنه يظن أن كذبه إلى غيره ينفي الصدق عن نفسه ؛ ولو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت