فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 524

""""""صفحة رقم 97""""""

وحسدًا للراغب ، وذلك أنهم اتخذوا المنطق والهندسة وما دخل فيهما معيشةً ومكسبة ، ومأكلة ومشربة ، فصار ذلك كسور من حديد لطلاب الحكمة والمحبين للحقيقة والمتصفحين لأثناء العالم وكلامًا هذا معناه ، وإلى هذا يرجع مغزاه . فكان من الجواب: قد عرفت مذهب ابن يعيش في هذا الباب ، وهو جاري ، وكتب هذه الرسالة على هذا الطراز بالأمس إلى الملك السعيد سنة سبعين ، وتقرب بها ، ونفعته بالمسألة والتفقد له ، فإنه شديد الفقر ، ظاهر الخصاصة ، لاصق بالدقعاء ؛ وللذي قاله وادعاه ، وقصده وانتحاه ، وجه واضح وحجة ظاهرة ؛ وللذي قاله أصحابنا - أعني مخالفيه - وجهٌ أيضًا وتأويل وللقولين أنصار وحماة ، وحفظة ورعاة . قال: هات - على بركة الله - فإني أحب أن أسمع في هذا الخطب كل ما فيه وأكثر ما يتصل به ؛ فكان من الجواب أن ابن يعيش يريد بهذه الخطبة أن عمر الإنسان قصير ، وعلم العالم كثير ، وسره مغمور ؛ وكيف لا يكون كذلك وهو ذو صفائح مركبة بالوضع المحكم ، وذو نضائد مزينة بالتأليف المعجب المتقن ؛ والإنسان الباحث عنه وعما يحتويه ذو قوى متقاصرة ، وموانع معترضة ، ودواعٍ ضعيفة ، وإنه مع هذه الأحوال منتبه بالحس ، حالمٌ بالعقل ، عاشقٌ للشاهد ، ذاهل عن الغائب ، مستأنسٌ بالوطن الذي ألفه ونشأ فيه ، مستوحشٌ من بلد لم يسافر إليه ولم يلم به وإن كان صدر عنه ، فليس له بذلك معرفة باقية ولا ثقةٌ تامة ، وإن الأولى بهذا الإنسان المنعوت بهذا الضعف والعجز أن يلتمس مسلكًا إلى سعادته ونجاته قريبًا ويعتصم بأسهل الأسباب على قدر جهده وطوقه ؛ وإن أقرب الطرق وأسهل الأسباب هو في معرفة الطبيعة والنفس والعقل والإله تعالى ، فإنه متى عرف هذه الجملة بالتفصيل ، واطلع على هذا التفصيل بالجملة ، فقد فاز الفوز الأكبر ونال الملك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت