فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 524

""""""صفحة رقم 98""""""

الأعظم ، وكفى مؤونة عظيمة في قراءة الكتب الكبار ذوات الورق الكثير ، مع العناء المتصل في الدرس والتصحيح والنصب في المسألة والجواب ، والتنقير عن الحق والصواب ؛ وهذا الذي قاله ابن يعيش ليس بحيف ولا خارجٍ عن حومة الحق ، وإن كان الأمر فيه أيضًا صعبًا وشاقًا وهائلًا وعاملًا ، ولكن ليس لكل أحد هذه القوة الفائضة ، وهذه الخصوصية الناهضة ؛ وهذا الاستبصار الحسن ، وهذا الطبع الوقاد ، والذهن المنقاد ، والقريحة الصافية والاستبانة والتأمل ، لأن هذه القوة إلهية ، فإن لم تكن إلهية فهي ملكية ؛ وإن لم تكن ملكية فهي في أفق البشرية ؛ وليس يوجد صاحب هذا النعت إلا في الشاذ النادر ، وفي دهر مديدٍ بين أمة جمة العدد ؛ والفائق من كل شيء والبائن من كل صنف عزيزٌ في هذا العالم الوحشي ، كما أن الرديء والفاسد معدوم في هذا العالم الإلهي ، ويمكن أن يقال بالمثل الأدنى: إن من يتكلم بالإعراب والصحة ولا يلحن ولا يخطىء ويجري على السليقة الحميدة والضريبة السليمة ، قليل أو عزيز ، وإن الحاجة شديدة لمن عدم هذه السجية وهذا المنشأ إلى أن يتعلم النحو ويقف على أحكامه ، ويجري على منهاجه ، ويفي بضروطه في أسماء العرب وأفعالها وحروفها وموضوعاتها ومستعملاتها ومهملاتها ؛ ومتى اتفق إنسانٌ بهذه الحلية وعلى هذا النجار ، فلعمري إنه غني عن تطويل النحويين كما يستغني قارض الشعر بالطبع عن علم العروض ، وهكذا يستغني صاحب تلك القوة التي أشار إليها ابن يعيش عن ذلك ، ولكن أين ذاك الفرد والشاذ والنادر ؟ فإن حضر فما تفعل معه إلا أن تقلده وتأخذ عنه وتتبعه . وإنما المدار على أن تكون أنت بهذا الكمال حائزًا لهذه الغاية ، ولا سبيل لك إليها من تلقاء نفسك ، وإنما هو شيء يأتي من تلقاء غيرك ، فإذن بالضرورة وبالواجب ينبغي أن تخطو على آثار المنطقيين والطبيعيين والمهندسين بالزحف والعناء والتكلف الدءوب حتى تصير متشبهًا بذلك الرجل الفاضل والواحد الكامل والبديع النادر ؛ فقد بان من هذا القدر صواب ما أشار إليه ابن يعيش وانكشف أيضًا وجه ما حث عليه مخالفوه ؛ ولا عيب على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت