فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 524

""""""صفحة رقم 103""""""

قال أبو سعيد: أخطأت وتعصبت وملت مع الهوى ، فإن علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم ، ولهذا قال القائل: العلم في العالم مبثوث . . . ونحوه العاقل محثوث وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض ؛ ولهذا غلب علمٌ في مكان دون علم ، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة ؛ وهذا واضح والزيادة عليه مشغلة ؛ ومع هذا فإنما كان يصح قولك وتسلم دعواك لو كانت يونان معروفةً من بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة ، والفطنة الظاهرة ، والبنية المخالفة ، وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا لما قدروا ، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا وأن السكينة نزلت عليهم ، والحق تكفل بهم ، والخطأ تبرأ منهم ؛ والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم ، والرذائل بعدت من جواهرهم وعروقهم ؛ وهذا جهلٌ ممن يظنه بهم ، وعنادٌ ممن يدعيه لهم ؛ بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء ويخطئون في أشياء ، ويعلمون أشياء ويجهلون أشياء ، ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور ، ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال ؛ وليس واضع المنطق يونان بأسرها ، إنما هو رجل منهم ، وقد أخذ عمن قبله كما أخذ عنه من بعده ؛ وليس هو حجةً على هذا الخلق الكثير والجم الغفير ، وله مخالفون منهم ومن غيرهم ؛ ومع هذا فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب سنخٌوطبيعة ، فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يحلحله أو يؤثر فيه ؟ هيهات هذا محال ، ولقد بقي العالم بعد منطقه على ما كان عليه قبل منطقه ؛ فامسح وجهك بالسلوة عن شيء لا يستطاع لأنه منعقد بالفطرة والطباع ؛ وأنت لو فرغت بالك وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تحاورنا بها ، وتجارينا فيها ، وتدارس أصحابك بمفهوم أهلها وتشرح كتب يونان بعادة أصحابها ، لعلمت أنك غني عن معاني يونان كما أنك غني عن لغة يونان . وها هنا مسألة ، تقول: إن الناس عقولهم مختلفة ، وأنصباؤهم منها متفاوتة . قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت