فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 524

""""""صفحة رقم 105""""""

آخر من الطبيعة ولهذا كان المعنى ثابتًا على الزمان ، لأن مستملى المعنى عقل ، والعقل إلهي ؛ ومادة اللفظ طينية ، وكل طيني متهافت ؛ وقد بقيت أنت بلا اسم لصناعتك التي تنتحلها ، وآلتك التي تزهى بها ، إلا أن تستعير من العربية لها اسمًا فتعار ، ويسلم لك ذلك بمقدار ؛ وإذا لم يكن لك بد من قليل هذه اللغة من أجل الترجمة فلا بد لك أيضًا من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة واجتلاب الثقة والتوقي من الخلة اللاحقة . فقال متى: يكفيني من لغتكم هذا الاسم والفعل والحرف ، فإني أتبلغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذبتها لي يونان . قال أبو سعيد: أخطأت ، لأنك في هذا الاسم والفعل والحرف فقير إلى وصفها وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها ؛ وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى حركات هذه الأسماء والأفعال والحروف ، فإن الخطأ والتحريف في الحركات كالخطأ والفساد في المتحركات ، وهذا باب أنت وأصحابك ورهطك عنه في غفلة ؛ على أن ها هنا سرًا ما علق بك ، ولا أسفر لعقلك ؛ وهو أن تلعم أن لغة من اللغات لا تطابق لغةً أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها ، في أسمائها وأفعالها وحروفها وتأليفها وتقديمها وتأخيرها ، واستعارتها وتحقيقها ، وتشديدها وتخفيفها ، وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها وسجعها ، ووزنها وميلها ، وغير ذلك مما يطول ذكره ؛ وما أظن أحدًا يدفع هذا الحكم أو يشك في صوابه ممن يرجع إلى مسكةٍ من عقل أو نصيبٍ من إنصاف ، فمن أين يجب أن تثق بشيء ترجم لك على هذا الوصف ؟ بل أنت إلى تعرف اللغة العربية أحوج منك إلى تعرف المعاني اليونانية ؛ على أن المعاني لا تكون يونانية ولا هندية ، كما أن اللغات تكون فارسية وعربية وتركية ؛ ومع هذا فإنك تزعم أن المعاني حاصلة بالعقل والفحص والفكر ، فلم يبق إلا أحكام اللغة ، فلم تزري على العربية وأنت تشرح كتب أرسطوطاليس بها ، مع جهلك بحقيقتها ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت