فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 524

""""""صفحة رقم 106""""""

وحدثني عن قائل قال لك: حالي في معرفة الحقائق والتصفح لها والبحث عنها حال قومٍ كانوا قبل واضع المنطق ، أنظر كما نظروا ، وأتدبر كما تدبروا ، لأن اللغة قد عرفتها بالمنشأ والوراثة ، والمعاني نقرت عنها بالنظر والرأي والاعتقاب والاجتهاد . ما تقول له ؟ أتقول: إنه لا يصح له هذا الحكم ولا يستتب هذا الأمر ، لأنه لا يعرف هذه الموجودات من الطريق التي عرفتها أنت ؟ ولعلك تفرح بتقليده لك - وإن كان على باطل - أكثر مما تفرح باستبداده وإن كان على حق ؛ وهذا هو الجهل المبين ، والحكم المشين . ومع هذا ، فحدثني عن الواو ما حكمه ؟ فإني أريد أن أبين أن تفخيمك للمنطق لا يغني عنك شيئًا ، وأنت تجهل حرفًا واحدًا في اللغة التي تدعو بها إلى حكمة يونان ، ومن جهل حرفًا أمكن أن يجهل حروفًا جاز أن يجهل اللغة بكمالها ، فإن كان لا يجهلها كلها ولكن يجهل بعضها ، فلعله يجهل ما يحتاج إليه ، ولا ينفعه فيه علم ما لا يحتاج إليه . وهذه رتبة العامة أو رتبة من هو فوق العامة بقدر يسير ؛ فلم يتأبى على هذا ويتكبر ، ويتوهم أنه من الخاصة وخاصة الخاصة ، وأنه يعرف سر الكلام وغامض الحكمة وخفي القياس وصحيح البرهان ؟ وإنما سألتك عن معاني حرف واحد ، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلها ، وطالبتك بمعانيها ومواضعها التي لها بالحق ، والتي لها بالتجوز ؛ سمعتكم تقولون: إن في لا يعرف النحويون مواقعها ، وإنما يقولون: هي للوعاء كما يقولون: إن الباء للإلصاق ؛ وإن في تقال على وجوه: يقال الشيء في الإناء والإناء في المكان و السائس في السياسة و السياسة في السائس . أترى أن هذا التشقيق هو من عقول يونان ومن ناحية لغتها ؟ ولا يجوز أن يعقل هذا بعقول الهند والترك والعرب ؟ فهذا جهلٌ من كل من يدعيه ، وخطلٌ من القول الذي أفاض فيه ؛ النحوي إذا قال في للوعاء فقد أفصح في الجملة عن المعنى الصحيح ، وكني مع ذلك عن الوجوه التي تظهر بالتفصيل ؛ ومثل هذا كثير ، وهو كافٍ في موضع التكنية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت