فهرس الكتاب
الجوزي وغيرهما، والبيهقي وغيره وافقوا الذين ضعفوه، وهذا هو الصواب؛ لأنه قد ثبت بالتواتر أن اللّه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة، فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد، وهكذا هو عند أهل الكتاب، وعلى ذلك تدل أسماء الأيام، وهذا هو المنقول الثابت في أحاديث وآثار أخر. ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة لكان قد خلق في الأيام السبعة، وهو خلاف ما أخبر به القرآن، مع أن حذاق أهل الحديث يثبتون علة هذا الحديث من غير هذه الجهة، وأن رواية فلان غلط فيه لأمور يذكرونها، وهذا الذي يسمي معرفة علل الحديث بكون الحديث إسناده في الظاهر جيدا، ولكن عرف من طريق آخر أن راويه غلط فرفعه وهو موقوف، أو أسنده وهو مرسل، أو دخل عليه حديث في حديث، وهذا فن شريف، وكان يحيي بن سعيد الأنصاري ثم صاحبه على بن المديني ثم البخاري من أعلم الناس به، وكذلك الإمام أحمد وأبو حاتم وكذلك النسائي والدارقطني وغيرهم. ... 18/ 18.
248 -وفي البخاري ـ نفسه ـ ثلاثة أحاديث نازعه بعض الناس في صحتها مثل: حديث أبي بكرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال عن الحسن: (إن ابني هذا سيد وسيصلح اللّه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) ، فقد نازعه طائفة منهم أبو الوليد الباجي، وزعموا أن الحسن لم يسمعه من أبي بكرة، لكن الصواب مع البخاري وأن الحسن سمعه من أبي بكرة، كما قد بين ذلك في غير هذا الموضع، وقد ثبت ذلك في غير هذا الموضع. 18/ 19.
249 -والبخاري أحذق وأخبر بهذا الفن من مسلم؛ ولهذا لا يتفقان على حديث إلا يكون صحيحًا لا ريب فيه قد اتفق أهل العلم على صحته ثم ينفرد مسلم فيه بألفاظ يعرض عنها البخاري، ويقول بعض أهل الحديث إنها ضعيفة، ثم قد يكون الصواب مع من ضعفها، كمثل صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأربع، وقد يكون الصواب مع مسلم، وهذا أكثر، مثل قوله في حديث أبي موسى (إنما جعل الإمام لِيُؤتَمَّ به فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا) فإن هذه الزيادة صحَّحها مسلم، وقبله أحمد بن حنبل وغيره، وضعفها البخاري وهذه الزيادة مطابقة للقرآن، فلو لم يرد بها حديث صحيح لوجب العمل بالقرآن. ... 18/ 19.
250 -ولهذا كان أعدل الأقوال في القراءة خلف الإمام أن المأموم إذا سمع قراءة الإمام يستمع لها وينصت، لا يقرأ بالفاتحة ولا غيرها، وإذا لم يسمع قراءته بها يقرأ الفاتحة وما زاد، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وهو مذهب مالك وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وجمهور أصحابه، وهو أحد قولي الشافعي، واختاره طائفة من محققي أصحابه وهو قول محمد بن الحسن وغيره من أصحاب أبي حنيفة، وأما قول طائفة من أهل العلم كأبي حنيفة وأبي يوسف: أنه لا يقرأ خلف الإمام، لا بالفاتحة ولا غيرها، لا في السر ولا في الجهر؛ فهذا يقابله قول من أوجب قراءة الفاتحة ولو كان يسمع قراءة الإمام، كالقول الآخر للشافعي وهو الجديد، وهو قول البخاري وابن حزم وغيرهما، ولكن أظهر الأقوال قول الجمهور؛ لأن الكتاب والسنة يدلان على وجوب الإنصات على المأموم إذا سمع قراءة الإمام. ... 18/ 20.