فيتأفف من وظيفته، ويزهد في عمله، ويضجر من رسالته، ويغفل عن الأجور العظيمة التي أكرم الله بها من بات يكلأ أمَّته، ويحرس رعيَّته، ويدافع عن عقيدته، ويجاهد من أجل مقدَّساته، ويناضل من أجل وطنه حتَّى لا تُرفع فوق ثراه غير راية الإسلام، ولا يحكَّم فيه غير شرع الملك العلام.
فتراه يندب حظَّه، ويعض على أصابعه من فرط الندم وتتابع الألم، ويقول بلسان الخامل المتكاسل:
وما دخلي أنا بالنَّاس؟!
هم يغطون في نومهم، وأبات أسهر على حمايتهم!
يرتاحون في دورهم، وأنصب على راحتهم!
يجتمعون مع أهليهم في البيوت والقصور، وأنا عاكفٌ أحرسهم على الثغور!
فيجتمع عليه التعب والنصب، والملل والكسل، وذهاب الأجر والثواب، لغياب الصبر والاحتساب.
* عن أبي ريحانة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حُرِّمت عينٌ على النَّار، سهرت في سبيل الله» [1] .
* وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر؟ حارس الحرس في أرض خوف لعله لا يرجع إلى أهله» [2] .
وربما رأيته يعامل الناس في فظاظة وقسوة، وغلظة وجوفة، قد ارتسمت على محياه نظرة العبوس، وفاحت من لسانه كلمات الأذى، لأنه يرى النَّاس دونه، وأنَّه يعلو ولا يعلى عليه، ويسمو فلا يُوصل إليه!
* عن جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من يُحرم الرِّفق، يٌحرمِ الخير» [3] .
تواضع تكن كالبدر لاح لناظرٍ
على صفحات الماء وهو رفيعُ
ولا تك كالدخان يعلو تجبرًا
على طبقات الجو وهو وضيع
بعض المغتربين
(1) صحيح النسائي (2/653) (2920) .
(2) أخرجه الروياني في مسنده والحاكم في مستدركه، انظر: السلسلة الصحيحة (6-2/739) (2811) .
(3) صحيح ابن ماجه (2/299) (2973) .