ذلك الذي حزم حقائب سفره ليحلَّ وثاقها في ديار لا تشقُّ سماءها منائر الأذان أو منابر الإيمان.
فتنظره - ويا لسوء ما تبصره! - ينسلخ عن دينه، ويتجرد من إيمانه، ويقطع كلَّ حبلٍ وثيق له بعقيدته..
ليغدو كالبهيمة السائمة، يلهث في نهم وسعار من شهوات الجسد، وملذات البدن، ليشبع نوازع الحيوان فيه، ويستجيب لنوازع الشيطان عليه، دون وازع من دين أو رادع من عقل أو مانع من حياء!
عرضت عليه الفتن عودًا فأُشربها قلبه الذي غدا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما وافق هواه وساير رغبته.
قد أُصيب بالهزيمة النفسية والإفلاس الروحي لأنه غير واثق بنفسه أو معتزٍ بدينه، ولذا فهو ينكِّس رأسه خجلًا وذلَّة إذا استعلت رؤوس من لا يؤمنون بالله واليوم الآخر؛ لأنه يرى نفسه دونهم، وأقلَّ منهم، فهو ينظر إليهم من طرف خفيٍّ، كنظرة منكسر بين يدي منتصر!
«ونحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله» .
* قال تعالى: { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [1] .
فتراهم - ويا للأسف! - يستعلون بباطلهم وكفرهم وتمردهم على خالقهم، وينافحون عن معتقدهم الفاسد، ويذودون عن دينهم المنحرف، وهو يجاملهم في انهزام ويداريهم في انكسار، ويداهنهم في مسكنةٍ وصغار، ويعاملهم في ذلَّةٍ واندحار، ويحاكيهم في حياتهم ومعاشهم، ويتشبَّه بهم في مأكلهم ومشربهم وملبسهم ومسكنهم..
تقاربت القلوب.. فتشابهت القوالب! «ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم» .
فهو معجبٌ بهم إلى درجة التبجيل..
ومستحسنٌ لحالهم إلى حدِّ تضخيم الحسنات والتغافل عن السيئات..
فإذا ما نطق لسانه بثناء.. فعليهم.
وإذا ما أشار بإصبعه إلى رقيٍّ.. فلهم.
وإذا تحدَّث عن مزيَّة.. فعنهم.
مال قلبه إليهم، فجرى لسانه بذكر ما لديهم..
مادحٌ لهم، وقادحٌ في غيرهم..
(1) سورة المنافقون، الآية: 8.