فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 96

فقد أطال عبد الحسين الوقوف عند هذه الرواية واستغربها ثم استشكلها، كيف وهذه الذبابة التي لا تعيش إلا على الأقذار تحمل في إحدى جناحيها شفاءً، إن هذا مما تستحيله العقول، وأطال لسانه على أبي هريرة واعتبر هذه الرواية من السخافات التي تجلب لنا العار بين الأمم إلى غير ذلك من الطعون، ويأبى الله إلا أن يتم نوره فقد أثبت العلم الحديث صحة هذه الظاهرة التي استغربها عبد الحسين والذي قام بهذه الأبحاث علماء غير مسلمين، والحكمة من الغمس أن هناك حويصلات في جسم الذبابة وهي مستعمرات لأنواع من الفطريات، فعندما تتشبَع هذه الحويصلات بالماء تنفجر وتتحرر منه الفطريات التي لها خاصية مضاد حيوي لأنواع كثيرة من البكتيريا، فجاء هذا الاكتشاف العلمي تزكية لأبي هريرة من أن يطعن به طاعن.

والذي يبعث على الاستغراب أن هذه الرواية جاءت على لسان أئمة أهل البيت وفي الكتب المعتبرة لديه، ولكنه لم يأت لها بذكر رغم أن الرواية التي جاءت عَمَّن يثق به عبد الحسين يستحق الاستغراب فعلًا فقد ذكر أبو عبد الله -ع- عن رسول الله: { إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فيه، فإن في إحدى جناحيه شفاء وفي الآخر سُمًّا، لأنه يغمس جناحه المسموم في الشراب ولا يغمس الذي فيه شفاء فأغمسوها لئلا يضرَكم } .

كان على عبد الحسين إذا كان متجردًا كما يقول ومتحررًا أن ينتقد هذه الرواية التي توحي بأن الذبابة وَكَأنّها تَكرَه البشر فتَتَعَمَّد في غمس الجناح الذي فيه السم، ولكنه حمل على أبي هريرة لروايته هذا الحديث وتهجَم على أصحاب الصحاح كيف دوّنوها في كتبهم، فهل كان عبد الحسين جاهلًا بوجود هذه الروايات في أوثق مصادره؟ فهذا من سوء الطوية وعدم التجرد أن ينقّب كتب الآخرين لإبراز عيوبه كما يظن ويجهل ما عند شيوخه، أم أنه يعلم ولكنه تجاهله، وهذا دليل على عدم صدقه، وتدليسه، وهذا ليس ديدن أهل الحق، فالحق أوضح من أن يحتاج إلى الكذب والتزوير في إظهاره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت