الصفحة 119 من 212

العصبيات الحزبية والإسلام لم يزل التطلع إلى الرئاسة والتنازع على الإمارة آفة الشرق قديما وحديثا بل لم تزل النكسة التى تقتل النهضات، والعقبة التى تعوق الامتداد، ومهما توافرت الدواعى على توحيد الصفوف وجمع الكلمة فإن أعراض الداء المتغلغل تتغلب على غيرها، وإذا أنت تمد بصرك في أنحاء الشرق الذليل فترى في كل بلد- أسفر فيه الاستعمار أو احتجب- عددا كبيرا من الأحزاب، وعددا أكبر من الهيئات والجماعات، يزعم أصحابها أنهم يعملون لغرض واحد! ومع ذلك اختلفوا!! وبين هذه القوى المشتتة يضيع كل جهد، ويذهب كل أمل، والعلة في ذلك ترجع إلى شيوع الجهل والنفاق، فإن الأمة المتعلمة لا تسمح للأدعياء أن يتقدموا، وإذا حاولوا ذلك قتلتهم قبل أن يقتلوها. وعندما يخلو الميدان من هؤلاء يصفو الجو أمام الزعماء الحقيقيين فيستطيعون العمل آمنين. ثم إن نفاق الأمة في دينها يساوى في خطره جهلها بشئون دنياها، بل قد يزيد، فإن إرشاد الدين في وسائل الرئاسات وما إليها يقطع دابر الحزبية، وما يتبعها من ميل للغرور، وحب للظهور، ويقى الأعم عواقب هذا الخبال. يوجب الدين على الأمة أن تقدم للعمل أكفأ من عندها، وأن تلقى في يده مقاليد الأمور. فإن حدث- لأمر ما- أن تقدم غير الكفء فيجب على الأخيار والأذكياء أن يعينوه بثاقب رأيهم وكفاءتهم لوجه الله، وألا يثيروا من خلفه الشغب. وتدبر مسلك خالد مع أبى عبيدة ، وكيف تحول من قائد إلى جندى في هدوء ويقين. ثم يعتبر الإسلام مع فلك أن رياسة الرجل المكروه جريمة منه ومعصية يجب أن يقلع عنها. فإذا حدث أن استقر أمر الأمة على قيادة رشيدة، وواجهت مصالحها في الداخل والخارج بوحدة شاملة، فليس يجوز ألبتة لأحد من الناس أن يصدع هذا التجمع، والإسلام يتوعد بالنكال من يقترف هذه الفتنة. ويهدد بالقتل من يبدأ محاولتها الأثيمة. ص _120

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت