فهرس الكتاب
علم عقيم...! في أحيان كثيرة تكون مشكلات العلماء النفسية أعقد من مشكلات الجهال العقلية، وتكون استجابة الرجل الساذج لدواعى الخير أدنى إلى التحقق من استجابة العامل الحترف لأى فن من فنون الدين أو الدنيا، وليس في ذلك من تهوين لقيمة الإدراك العقلى والمعرفة النظرية، ولكن يجب أن نعلم أن استقامة الفكر لا غناء لها إن لم تصحبها استقامة الضمير، وأن سلامة العقل لا خير فيها إن لم تصحبها سلامة القلب، والإنسان الكامل هو الذى يأخذ قسطه من طهارة النفس، كما يأخذ قسطه من شتى المعارف والعلوم. وقد عاب القرآن الكريم هذا العلم العقيم، ونعى على أصحابه ما أصاب الإنسانية على أيديهم من أضرار وأخطار، جعلت الناس يتنازعون على المآرب الصغيرة، ويذهلون عن المثل العليا. (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب) . بل إن القرآن يعتبر أن أول ما أصاب العالم من خصام وفرقة إنما هو بعض آثار هذا العلم المريب، العلم الذى لا ضمير معه ولا شرف. (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) . فهل تعجب بعدئذ إذا رأيت الإسلام يسوى في دعوته إلى الحق بين معشر العلماء الحائرين، وبين الجماهير الجاهلة من الأميين؟: (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله و من اتبعن و قل للذين أوتوا الكتاب و الأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا و إن تولوا فإنما عليك البلاغ) . ص _122