الصفحة 124 من 212

حرب العصابات وحرب الحزازات يظهر أن الروح الاجتماعى في الغرب أقوى وأشد منه فيما بيننا، وأن شعور الفرد بكرامته الخاصة هناك جزء من شعوره بالكرامة العامة لوطنه، وبالقيمة المعنوية للأمة التى ينتسب إليها. أما نحن فللنزعات الفردية ولاتجاهاتها الجامحة سلطان علينا مطاع. وأقرب دليل على هذا المعنى السىء أنك تنظر إلى آلاف القرى فتجد النزاع الحاد على"العمدية"لا تكاد تخلو منه قرية، ولو أحصيت الحوادث الدامية التى يثيرها النزاع على تولى هذه المناصب وأمثالها مما تخلقه الانتخابات المختلفة، لرأيت في الأمر ما يدعو إلى الدهشة. فإن التطلع إلى مظاهر الرياسة والأبهة يكلف الكثير ويستهلك الكثير. دلالة التفكك أو السقوط في هذه الحال أن الذين يتبرمون بسيادة غيرهم عليهم لا يبالون ولا يأنفون من الخضوع الحقير للأجنبى النازح إليهم. فربما ترى الرجل يثور على ابن عمه أو على مواطنه في الحين الذى يتزلف فيه لأحد الخواجات المرابين. وربما ترى الرجل يستسهل تقديم أبنائه في معركة بين أسرة وأسرة، على حين يضطرب ويتردد لو طلب إليه تقديمهم في معركة من أجل مستقبل أمته. وهل ظل الاستعمار الإنجليزى جاثما على صدر الوادى قرابة سبعين سنة إلا لسقوط الأنفة الاجتماعية وكراهية الرجل أن يسوده رجل مثله في الوقت الذى يخضع فيه للعدو الدخيل؟ ولعل من آثار هذا التنافر، أو هذه الأنانية، أن لدينا كفايات كثيرة لتولى شتى الأعمال، ولكن فقدان التعاون بينها يعطلها جميعا، ويجعلها هباء منثورا. فما السبب في ذلك؟ إن الأعم الأوروبية المقهورة لا تفقد في حرب العصابات- ضد غزاتها- ما نفقده نحن في حرب الحزازات، ومن العار أن تنهدم هيئة من الهيئات لأن فريقا من الأعضاء يضنون بكرامتهم عن الخضوع لرياسة فلان، ولا يضنون بكرامتهم أن يعيش في بلدهم الشيطان. ص _125

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت