فهرس الكتاب
وانفرجت أبواب الفردوس لتستقبل وفد الشهداء الجدد. وهأنذا أقرأ أسماء المصطفين الأبرار على شواهد القبور التى تخفى عنا أشخاصهم. نعم هأنذا أقرأ... اسم من هذا؟ إنه فلان!!. ورجعتنى الذاكرة إلى أيام خلت، كان فيها الشاب الصالح يجيئنى بالمسجد ليطلب منى أن ألقى عليهم درسا بشعبة الحى، كان يعتبرنى أستاذه. أما اليوم، فقد تغيرت الأوضاع، وأصبحت أمام قبره التلميذ الصغير... إنه سبق سبقا بعيدا... إلا أن يتفضل المولى القدير فأرد المصير نفسه. * * * * جلال: إننا في زمن كثر فيه الهرج، واشتعلت فيه الحروب، وجمهور الضحايا لا يدرى لم قتل ولمن قتل؟ والجيوش الجرارة التى تعبئها اليوم الشيوعية والرأسمالية تسوق الذبائح بين يديها لغير غرض أو لغرض خسيس، وإذا كان القتال الذى بينهما إنما جرى لاستلاب حقوقنا، فما تظن وصف ضحاياه؟ لص خرج للسطو فاخترمت بدنه رصاصة أزهقت روحه، فجثته على عرض الطريق ملقى كجثة دابة نافقة! أولئك قتلى المستعمرين من كل جنس ولون. أما قتلانا، أما الشهيد من رجالاتنا الأمجاد، فذاك مضى كما قيل: تردى ثياب الموت حمرًا فما أتى لها الليل إلا وهى من سندس خضر وأما درجته فكما وصف الله: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا * عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا * إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) . إن الشهيد رجل عرف كيف يعيش وكيف يموت. كان يمكن أن يكون بشرا صغيرا كسائر البشر. أما بعد أن اتصل بالحقيقة العليا، وربط وجوده المحدود بالوجود المطلق، ونسى نفسه حين ذكر ربه، وركل الأرض حين تطلع للسماء، وبصق على الدنيا حين ص _138