فهرس الكتاب
والمعروف من دلائل الشريعة أن لله جنة تعهد غراسها وحسن مهادها، وأعد فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. والمعروف أن الله لم يجعل نيل هذه الجنة بالمجان، وأنه كذاك لم يطلب لها ثمنا تافها بل جعل الحصول عليها بأغلى ما يمكن لامرىء أن يدفعه وهو نفسه وماله. (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) . وجاء في الحديث:"من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة". ومع فداحة الثمن المطلوب لهذا النعيم المقيم، فإن عوام المسلمين يتجاوزون خطره بطريقة حمقاء. فما يدفع فيه الروح يريدون أن يدفعوا فيه قلامة ظفر، وحسب الواحد منهم أن يجرى على لسانه دعاء مأثورا أو ذكرا واردا، لتطير به إلى الجنة الموعودة ملائكة ذات أجنحة مثنى وثلاث ورباع. وفى غفران الذنوب يقول الله تعالى: (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم) . ولكن تكفير السيئات الذى سبقته هاتيك المقدمات الجليلة ظل يتضاءل ويتضاءل، حتى أصبح الرجل المحصور وراء ركام من الخطايا السود يستطيع الإفلات منها بتعويذة يهمهم بها فمه، وتختلج بها شفتاه... دون وعى. ونحن لا نستكثر على فضل الله شيئا، ولكننا نحترم أصول الإسلام، ونراعى قوانين الجزاء، ونضع النصوص في مواضعها التى تتلاءم معها، ونحمى حقيقة الدين من فوضى الأفهام القاصرة. وقديما عرض العلماء الراسخون لأحاديث الذكر، وما اقترن بها من جزاء عريض فشرحوا المقصود بها. قال ابن بطال: الفضائل الواردة في التسبيح والتحميد ونحو ذلك، إنما هى لأهل الشرف والكمال في الدين، والطهارة من الحرام وغيره. فلا يظن ص _140